ابن الجوزي
451
كتاب ذم الهوى
بألوان كثيرة من الحيل ، وأبوك في سوقه ، فلما نشأت أنت وبلغت مبلغ الرجال خرجت في نهاية الملاحة ، فكنت أراها تنظر إليك نظر شهوة ، فأعجب من ذلك ، إلى أن قالت لي يوما : يا أمي قد غلب على قلبي عشق ابني هذا ، ولا بدّ لي أن يطأني ، فقلت لها : يا بنتي اتّق اللّه ولك في الرجال غيره متّسع ، فقالت : لابد من ذلك ، فقلت : كيف يكون هذا أو كيف يجيئك وهو صبي وتفتضحين ولا تصلين إلى بغيتك ، فدعي هذا للّه عز وجل . فقالت : لابد أن تساعديني ، فقلت : أعمل ماذا ؟ فقالت : تمضين إلى فلان المعلّم ، وكان معلّما في جوارنا أديبا ورسمه أن يكتب لها رقاعا إلى عشاقها ويجيب عنها فتبرّه وتعطيه في كل وقت ، فقالت : قولي له يكتب إليه رقعة يذكر فيها عشقا وشغفا ووجدا ، ويسأله الاجتماع ، وأوصلي الرقعة كأنها من فلانة ، وذكرت صبية من الجيران مليحة . قالت العجوز : ففعلت ذلك وأخذت الرقعة وجئتك بها ، فلما سمعت ذكر الصبية التهب قلبك نارا ، وأجبت عن الرقعة تسألها الاجتماع عندها وتذكر أنه لا موضع لك ، فسلمت الجواب إلى والدتك ، فقالت : اكتبي إليه عن الصبية أن لا موضع لها ، وأنّ سبيل هذا أن يكون عنده ، فإذا قال لك : ليس لي موضع فأعدّي له الغرفة الفلانية وافرشيها ، واجعلي فيها الطيب والفاكهة ، وقولي له : إنها صبية وهو ذا « 1 » نستحي ، ولكن عشقك قد غلب وهي تجيئك إلى هاهنا ليلا ، ولا يكون بين أيديكما ضوء ، حتى لا تستحي هي ولا تفطن والدتك بالحديث ولا أبوك ، إذا رأوا في الغرفة ضوء سراج ، فإذا أجابك إلى هذا فأعلميني . قالت : ففعلت ذلك ، وأجبت أنت إلى هذا ، وتقرّر الوعد ليلة بعينها ، وأعلمتها ، فلبست ثيابا وتبخرت وتطيبت وتعطرت ، وصعدت إلى الغرفة ، وجئت أنت وعندك أنّ الصبية هناك ، فوقعت عليها وجامعتها إلى الغداة ، فلما كان في وقت السحر جئت أنا وأيقظتك وأنزلتك وأنت نائم ، وكان صعودها إليك بعد أن
--> ( 1 ) كذا .