ابن الجوزي
450
كتاب ذم الهوى
وقيذان « 1 » بالمصيبة . فلما دفنت المرأة تقدمت إليهما . فقلت : إني رأيت في منامي في أمر هذه المتوفّاة ، فإن أحببتما قصصتها عليكما ؟ فقال الشيخ الذي هو زوج المتوفاة : أما أنا فما أحبّ ذلك ؛ فأقبل الفتى فقال : إن رأيت أن تفعل . فقلت : تخلو معي . فقام فقلت : إنّ الرؤيا عظيمة فاحتملني . قال : قل . فقصصت عليه الرؤيا ، وقلت : يجب لك أن تنظر في هذا الأمر الذي أوجب من اللّه لهذه المرأة ما ذكرته لك ، فتجتنب مثله ، وإن جاز أن تعرّفنيه لأجتنب مثله فافعل . فقال : واللّه يا أخي ، ما أعرف من حال أمي ما يوجب هذا ، أكثر من أن أمي كانت تشرب النبيذ ، وتسمع الغناء وترمى بالنساء ، وما يوجب هذا هذا الأمر العظيم ، ولكن في دارنا عجوز لها نحو تسعين سنة هي دايتها ، وماشطتها ، فإن نشطت صرت معي فسألناها ، فلعلّها تخبرنا بما يوجب هذا ، فنجتنبه . فقمت معه فقصدنا الدار التي كانت للمتوفاة ، فأدخلني إلى غرفة فيها ، وإذا بعجوز فانية ، فخاطبها بما جرى وقصصت أنا عليها الرؤيا ، فقالت : أسأل اللّه أن يغفر لها ، كانت مسرفة على نفسها جدا . فقال لها الفتى : يا أمي ، بأكثر من الشراب والسماع والنساء ؟ فقالت : نعم يا بني ، ولولا أن أسوءك لأخبرتك بما أعلم . إن هذا الذي رآه هذا الرجل قليل من كثير ما أخاف عليها من العذاب ، فقال الفتى : أحب أن تخبريني . ورفقت أنا بالعجوز فقلت : أخبرينا لنجتنبه ونتّعظ به . فقالت : إن أخبرتكم بجميع ما أعرفه منها ، ومن نفسي معها طال . وبكت وقالت : أما أنا فقد علم اللّه أني تائبة منذ سنين ، وقد كنت أرجو لها التوبة فما فعلت ، ولكن أخبركم بثلاثة أحوال من أفعالها ، وهي عندي أعظم ذنوبها . فقلنا : قولي . فقالت للفتى : كانت من أشدّ الناس زنا ، وما كان يمضي يوم إلا تدخل إلى دار أبيك بغير علمه الرجل والرجلين ، فيطؤونها ويخرجون ، ويكون دخولهم
--> ( 1 ) الوقيذ : الشديد المرض المشرف .