ابن الجوزي
440
كتاب ذم الهوى
فلما قضى حياته أتى الرجل الماء ، فأنشد البيتين ، فخرجت بثينة ناشرة شعرها ، شاقّة جيبها ، لاطمة خدّها ، وهي تقول : يا أيها الناعي بفيك الحجر ، أما واللّه لئن كنت كذبتني لقد فضحتني ، وإن كنت صدقتني لقد قتلتني . ثم أنشأت تقول : وإن سلوّي عن جميل لساعة * من الدهر ما جاءت ولا جاء حينها سواء علينا يا جميل بن معمر * إذا متّ بأساء الحياة ولينها ويقال : إنها لم تقل شعرا غيره . ومن مستحسن أشعار جميل : أخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو الحسين التوّزي ، قال : أنبأنا محمد بن الحسن بن المأمون ، قال : حدثنا أبو بكر الأنباريّ ، قال : قال جميل بن معمر : خليليّ عوجا اليوم حتى تسلّما * على عذبة الأنياب طيبّة النّشر فإنكما إن عجتما لي ساعة * شكرتكما حتى أغيّب في قبري وإنكما إن لم تعوجا فإنني * سأصرف وجدي فائذنا اليوم بالهجر ومالي لا أبكي وفي الأيك نائح * وقد فارقتني شختة « 1 » الكشح والخصر أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه * وأصبر ؟ ما بي عن بثينة من صبر يقولون مسحور يجنّ بذكرها * وأقسم ما بي من جنون ولا سحر وأقسم لا أنساك ما ذرّ شارق * وما خبّ آل في ملمّعة قفر « 2 » وما لاح نجم في السماء معلّق * وما أورق الأغصان من ورق السدر لقد شغفت نفسي بثين بذكركم * كما يشغف المخمور يا بثن بالخمر
--> ( 1 ) الشخت : الدقيق الضامر . ( 2 ) الآل : السّراب .