ابن الجوزي
428
كتاب ذم الهوى
يجود بنفسه ، وهو يقول : يا بعيد الدار عن وطنه * مفردا يبكي على شجنه كلما جدّ النحيب به * زادت الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه ساعة ، فانتبه بصوت طائر على شجرة وهو يقول : ولقد زاد الفؤاد شجى * هاتف يبكي في فننه شاقه ما شاقني فبكى * كلّنا يبكي على سكنه ثم أغمي عليه ، فظننته مثل الأولى فحركته فإذا هو قد مات . فصل : ومن المشهورين بالعشق ذو الرّمّة . أنبأنا علي بن عبيد اللّه ، قال : أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة ، قال : أنبأنا أبو عبيد اللّه محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدثني محمد بن أحمد الكاتب ، قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة ، عن محمد بن زياد الأعرابي « 1 » ، قال : حدثني أبو صالح الفزاري قال : ذكر ذو الرّمّة في مجلس فيه عدة من الأعراب . فقال عصمة بن مالك الفزاري ، شيخ منهم ، بلغ مئة وعشرين سنة : إياي فسلوا عنه . كان حلو العينين حسن المضحك برّاق الثنايا خفيف العارضين ، إذا نازعك الكلام لا تسأم حديثه ، وإذا أنشد بربر « 2 » وجشّ صوته . جمعني وإياه مربع مرّة ، فأتاني فقال : هيا عصمة ، إن ميّا منقرّية ، ومنقر أخبث حي أقوفه لأثر ، وأثبته في نظر ، وأعلمه ببصر ، وقد عرفوا آثار إبلي ، فهل من ناقة نزدار « 3 »
--> ( 1 ) من « مصارع العشاق » للسراج . ( 2 ) البربرة : الجلبة والصياح . وجش : غلظ . ( 3 ) أي نزور .