ابن الجوزي
400
كتاب ذم الهوى
بعير لي يوضع ، فبينا أنا أسير ، إذ رفع لي شخص فأممته ، فإذا رجل قد نصب شركا للظباء وقعد بعيدا منه ، فسلّمت عليه ، فردّ السّلام ، فقلت له : ما أجلسك هاهنا ؟ فقال : نصبت شركا للظباء ، فأنا أرصده . فقلت : إن أقمت لديك فصدت أطعمتني ؟ فقال : إيها واللّه . قال : فنزلت وعقلت ناقتي وجلست أحدثه ، فإذا هو أحسن خلق اللّه حديثا ، وأرقّه وأجزله . قال : فما لبثنا أن وقعت ظبية في الشّرك فوثب ووثبت معه ، فخلّصها من الحبائل ، ثم نظر في وجهها مليا ، ثم أطلقها وأنشأ يقول : أيا شبه ليلى لن تراعي فإنني * لك اليوم من بين الوحوش صديق ويا شبه ليلى لن تزالي بروضة * عليك سحاب دائم وبروق فما أنا إذ أشبهتها ثم لم تؤب * سليما عليها في الحياة شفيق ففرّي فقد أطلقت عنك لحبّها * فأنت لليلى ما حييت طليق ثم أصلح شركه وعدنا إلى موضعنا . فقلت : واللّه لا أبرح حتى أعرف أمر هذا الرجل . فأقمنا باقي يومنا فلم يقع لنا شيء . فلما أمسينا قام إلى غار قريب من الموضع الذي كنا فيه ، وقمت معه فبتنا به ، فلما أصبح غدا فنصب شركه فلم يلبث أن وقعت ظبية شبيهة بأختها بالأمس ، فوثب إليها ووثبت معه ، فاستخرجها من الشرك ونظر في وجهها مليا ، ثم أطلقها فمرّت . فأنشأ يقول : اذهبي في كلاءة الرحمن * أنت مني في ذمّة وأمان ترهبيني والجيد منك لليلى * والحشا والبغام والعينان « 1 » لا تخافي بأن تهاجي بسوء * ما تغنّى الحمام في الأغصان
--> ( 1 ) البغام : صوت الظبية إذا صاحت إلى ولدها بأرخم ما يكون من صوتها .