ابن الجوزي
396
كتاب ذم الهوى
الحكم فشكوا إليه ما ينالهم من قيس بن الملوّح ، وسألوه الكتاب إلى عامله عليهم يمنعه من كلام ليلى . فكتب لهم مروان كتابا إلى عامله يأمره أن يحضر قيسا ، ويتقدم إليه في ترك زيارة ليلى ، فإن أصابه أهلها عندهم فقد أهدروا دمه . فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس وأبيه وأهل بيته ، فجمعهم ، وقرأ عليهم كتاب مروان ، وقال لقيس : اتّق اللّه في نفسك ، لا يذهب دمك هدرا ، فانصرف قيس وهو يقول : ألا حجبت ليلى وآلى أميرها * عليّ يمينا جاهدا لا أزورها وأوعدني فيها رجال أبوهم * أبي وأبوها خشّنت لي صدورها على غير شيء غير أنّي أحبها * وأن فؤادي عند ليلى أسيرها فلما آيس منها وعلم أن لا سبيل إليها ، صار شبيها بالتائه العقل ، وأحبّ الخلوة وحديث النفس ، وتزايد الأمر به حتى ذهب عقله ، ولعب بالحصا والتراب ، ولم يكن يعرف شيئا إلا ذكرها ، وقول الشعر فيها ، وبلغها ما صار إليه قيس فجزعت أيضا لفراقه ، وضنيت ضني شديدا . أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن ، قال : أخبرنا ابن حيويه ، قال : أنبأنا محمد بن خلف ، قال : حدثني إسحاق بن محمد ، قال : حدثني أبو معاذ النّميري : أن مروان بن الحكم استعمل رجلا من قيس على صدقات كعب بن ربيعة بن عامر ، وهم قيس والحريش وجعدة ، فسمع بخبر قيس بن معاذ وهو مجنون بني عامر ، فأمر أن يؤتى به ، فأتي به . فساءله عن حاله ، واستنشده فأنشده ، فأعجب به وقال له : الزمني فلك أن أحتال لك في أمر ليلى حتى أجمع بينك وبينها ، فلازمه ، وكان يأتيه فيتحدث إليه . وكان لبني عامر مجتمع يجتمعون فيه في كلّ سنة ، وكان الوالي يخرج معهم إلى ذلك المجتمع لئلا يكون بينهم اختلاف ، فحضر الوقت ، فقال قيس للوالي :