ابن الجوزي

381

كتاب ذم الهوى

شئت . فقالت : ويحك ، أكلت ولم تغسل يدك ! فقصصت عليها قصتي ، فلما بلغت إلى آخرها قلت : عليّ وعليّ فحلفت بطلاقها وطلاق كلّ امرأة أتزوجها وصدقة مالي وجميع ما أملكه ، والحج ماشيا على قدمي ، والكفر باللّه ، وكل ما يحلف المسلمون به ، لا أكلت بعدها ديكبريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة ! فاستحيت وتبسّمت وصاحت : يا جواري . فجاء مقدار عشر جوار ووصائف . فقالت : هاتوا شيئا نأكل . فقدّمت إليّ ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء ، فأكلنا وغسلنا أيدينا ، واستدعت شرابا فشربنا ، وغنّى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه ، ثم قمنا إلى الفراش ، فدخلت بها ، وبتّ بليلة من ليالي الخلفاء ، ولم نفترق أسبوعا ، وكان يوم الأسبوع وليمة هائلة ، اجتمع فيها الجواري ، فلما كان من غد قالت : إن دار الخلافة لا يحتمل أن يكون المقام فيها أكثر من هذا ، ولولا أنه استؤذن فأذن بعد جهد ، لما تمّ لنا هذا ، إلا أنه شيء لم يفعل قطّ مع جارية غيري ، لمحبة السيدة لي ، وجميع ما تراه فهو هبة لي من السيدة ، وقد أعطتني خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر ودنانير وذخائر لي خارج القصر ، أشياء كثيرة من كلّ لون ، وجميعها لك فأخرج إلى منزلك وخذ معك مالا فاشتر دارا سوية واسعة الصحن ، فيها بستان كبير ، كثيرة الحجر ، فاخرة الموقع ، وتحوّل إليها وعرّفني لأنقل هذا كله إليك ، فإذا حصل عندك جئتك . وسلمت إليّ عشرة آلاف دينار عينا ، فحملها الخادم معي ، فابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر ؛ فحملت لي تلك النعمة بأسرها . فجميع ما أنا فيه منها . فأقامت عندي كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء ، ولم أدع مع ذلك التجارة ؛ فزاد مالي ، وعظمت منزلتي ، وأثرت حالي ، وولدت لي هؤلاء الفتيان ، وأومأ إلى أولاده . ثم ماتت رحمها اللّه ؛ وبقي عليّ من مضرّة الديكبريكة ما شاهدته ! . وممّن نال نعمة عظيمة بسبب أنه عشق محمد بن جعفر المعروف بزوج الحرّة .