ابن الجوزي
376
كتاب ذم الهوى
فحين غابت عني وقع لي أنها محتالة ، وأن ذلك سبب فقري ، فتحيرت في أمري وقامت قيامتي ، وكتمت خبري لئلا أفتضح بما للناس عليّ ، وعملت على بيع ما في يدي من المتاع ، وإضافته إلى ما عندي من الدراهم ، ودفع أموال الناس إليهم ، ولزوم البيت ، والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته ، ووطّنت نفسي على المحنة ، وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع ، فإذا بها قد نزلت عندي . فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى عليّ ، وقمت إليها ، فقالت : يا فتى تأخّرنا عنك لشغل عرض لنا ، وما شككنا في أنك لم تشكّ أنّا احتلنا عليك . فقلت : قد رفع اللّه قدرك عن هذا ، فقالت : هات التخت والطّيّار . فأحضرته ، فأخرجت دنانير عتقا فوفتني المال بأسره ، وأخرجت تذكرة بأشياء أخر . فأنفذت إلى التجار أموالهم ، وطلبت منهم ما أرادت ، وحصّلت أنا في الوسط ربحا جيدا ، وأحضر التجار الثياب ، فقمت وثمّنتها معهم لنفسي ، ثم بعتها عليها بربح عظيم ، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر تالف من حبها ، وهي تنظر إليّ نظر من قد فطنت بذلك ، ولم تنكره ، فهممت بخطابها ولم أقدر أقدم . فاجتمع المتاع وكان ثمنه ألف دينار ، فأخذته وركبت ، ولم أسألها عن موضعها ، فلما غابت عني قلت : هذا الآن هو الحيلة المحكمة ، أعطتني خمس مئة دينار ، وأخذت ألف دينار ! وليس إلا بيع عقاري الآن ، والحصول على الفقر المدقع ! . ثم سمحت نفسي برؤيتها ، مع الفقر ، وتطاولت غيبتها نحو شهر ، وألحّ التجار عليّ بالمطالبة ، فعرضت عقاري للبيع ، ولازمني بعض التجار ، فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقا ، وعينا ، فأنا كذلك إذ نزلت عندي ، فزال عني جميع ما كنت فيه برؤيتها ! . فاستدعت الطيار والتخت ، فوزنت المال ، وقدمت لي تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير ، فتشاغلت بإحضار التجار ، ودفع أموالهم إليهم ، وأخذ المتاع منهم ، فطال الحديث بيننا . فقالت : يا فتى لك زوجة ؟ قلت : لا واللّه ما عرفت