ابن الجوزي
375
كتاب ذم الهوى
فقلت : قل . قال : لا تسرف في مالك ، فتحتاج إلى ما في أيدي الناس ، ولا تجده ، واعلم أنّ القليل مع الإصلاح كثير ، والكثير مع الفساد قليل ، فالزم السوق ، وكن أول من يدخلها ، وآخر من يخرج منها ، وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل فافعل ، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام . ومات فأنفذت وصيته وعملت بما أشار به ، وكنت أدخل السوق سحرا ، وأخرج منه عشيا ، فلا أعدم من يجيئني يطلب كفنا فلا يجد من فتح غيري ، فأحكم عليه ، ومن يبيع شيئا والسوق لم يقم فأبيعه له . وأشياء من صنف هذه الفوائد . ومضى على لزومي السوق سنة وكسر ، فصار لي بذلك جاه عند أهلها ، وعرفوا استقامتي فأكرموني . فبينا أنا جالس يوما ولم يتكامل السوق ، إذا بامرأة راكبة حمارا مصريا ، وعلى كفله منديل دبيقيّ ، وخادم ، وهي بزيّ القهرمانة ، فبلغت آخر السوق ، ثم رجعت فنزلت عندي ، فقمت إليها ، وأكرمتها ، وقلت لها : ما تأمرين ؟ وتأمّلتها فإذا بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء . فتكلمت وقالت : أريد كذا وأريد كذا ، ثيابا طلبتها ، فسمعت نغمة ورأيت شكلا قتلني ، وعشقتها في الحال أشد العشق . وقلت : اصبري حتى يخرج الناس فآخذ لك ذلك . فليس عندي إلّا القليل مما يصلح لك . وأخرجت الذي كان عندي . فجلست تحادثني ، والسكاكين في فؤادي من عشقها ، وكشفت عن أنامل رأيتها كالطلع ، ووجه كدارة القمر ، فقمت لئلا يزيد عليّ الأمر ، وأخذت لها من السوق ما أرادت ، وكان ثمنه مع ما هو لي نحو خمس مئة دينار ، فأخذته وركبت ولم تعطني شيئا ، وذهب عني ، لما تداخلني من شهوتها ، أن أمنعها من المتاع إلا بالمال ، أو أستدلّ منزلها ومن دار من هي .