ابن الجوزي
369
كتاب ذم الهوى
أحد ، أمر فأخرجت إليه الجارية ومعها عود ، ثم قال له : اختر . فقال : تغني بقول قيس بن الملوح : تعلّق روحي روحها قبل خلقنا * ومن بعد ما كنا فطاما وفي المهد فعاش كما عشنا فأصبح ناميا * وليس وإن متنا بمنتقض العهد ولكنه باق على كل حالة * وزائرنا في ظلمة القبر واللّحد يكاد فضيض الماء يخدش جلدها * إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد وإني لمشتاق إلى ريح جيبها * كما اشتاق إدريس إلى جنة الخلد فغنت ، ثم قال : تأمر لي برطل ، فشربه . ثم قال : تغني بقول جميل : علقت الهوى منها وليدا فلم يزل * إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد وأفنيت عمري بانتظار نوالها * ونلت بذاك الدهر وهو جديد فلا أنا مردود بما جئت طالبا * ولا حبّها فيما يبيد يبيد إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي * من الحب قالت : ثابت ويزيد وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به * مع الناس قالت ذاك منك بعيد فغنت . فقال له سليمان : قل ما تريد . قال : تأمر لي برطل ، فشربه ، ثم قال : تغني بقول قيس بن ذريح : لقد كنت حسب النفس لو دام ودّنا * ولكنّما الدنيا متاع غرور وكنا جميعا قبل أن يعلم الهوى * بأحسن حالي غبطة وسرور فما برح الواشون حتى بدت لنا * بطون الهوى مقلوبة بظهور فغنت ، فقال سليمان : قل ما تشاء ، قال : تأمر لي برطل ، فما استتمّه حتى وثب فصعد إلى أعلا قبة ثم زجّ نفسه على دماغه ، فقال سليمان : إنا للّه وإنا إليه راجعون . أتراه توهّمّ الجاهل أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي . يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله ، إن كان له أهل ، وإلا فبيعوها وتصدقوا