ابن الجوزي
365
كتاب ذم الهوى
له في الفراق علم أن الوصال يبقى . أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو محمد الجوهري ، قال : أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : أخبرني أبو عبد اللّه أحمد بن عبد الرحمن ، عن العباس بن علي ، قال : حدثني بعض أهل المدينة ، قال : دعاني فتى من أهل المدينة إلى جارية تغني ، فلما دخلنا عليها إذا أحسن الناس وجها ، وإذا بها انخراط وجه وسهو وسكوت ، فجعلنا نبسطها بالمزاح والكلام ، ويمنعها من ذلك ما تكاتم ، فقلت في نفسي : واللّه إنّ بها لهياما وطائفا من الحب ، فأقبلت عليها فقلت : باللّه لتصدقيني بالذي بك ، فقالت : برح الذّكر ، ودوام الفكر ، وحلول « 1 » النهار ، والتشوق إلى من سار ، وأخذت العود فغنت . سيوردني التّذكار خوض المهالك * ولست لتذكار الحبيب بتارك أبى اللّه إلا أن أموت صبابة * ولست لما يقضي الإله بمالك كأنّ بقلبي حين شطّت به النّوى * وخلّفني فردا صدور النيازك « 2 » تقطّعت الأخبار بيني وبينه * لبعد النّوى وانسدّ سبل المسالك قال : فو اللّه لقد خفت أن أسلب عقلي لما غنّت . فقلت : جعلني اللّه فداك ، وهذا الذي صيّرك إلى ما أرى يستحقّ هذا منك ؟ ! فو اللّه إنّ الناس لكثير ، فلو تسلّيت بغيره فلعلّ ما بك أن يسكن ، أو يخفّ فقد قال الأول : صبرت على اللّذّات حتى تولّت * وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطمعت تاقت وإلا تسلّت
--> ( 1 ) ن وخلو . ( 2 ) النيازك : الرماح القصيرة .