ابن الجوزي

360

كتاب ذم الهوى

ومن لم يذق للهجر طعما فإنه * إذا ذاق طعم الوصل لم يدر ما الوصل وقد ذقت طعميه على القرب والنوى * فأبعده قتل وأقربه خبل ثم التفتت ، فرأتني ، فقالت : يا هذا ظنّ خيرا ، فإنّ من ضعفت قوته عن حمل شيء ألقاه طلبا للراحة ، وفرارا من ثقل المحبة ، وقد نطقت بما علمه اللّه وأحصاه الملكان ، فإن يعف عن أهل السرائر أكن فيهم ، وإن يعاقبوا فيا خيبة المذنبين . ثم بكت ، فما رأيت درّا قطع سلكه فانتثر ، بأحسن من تناثر دموعها . فاعتزلت خوفا أن يصبو قلبي إليها . وحدث الأصمعي قال : رئي أبو السائب المخزومي متعلقا بأستار الكعبة ، وهو يقول : اللهم ارحم العاشقين . فقيل : يا أبا السائب في مثل هذا المقام تقول هذا المقال ! قال : إليك عني ، فو اللّه إنّ الدعاء لهم أفضل من حجة بعمرة ، ثم أنشأ يقول : يا هجر كفّ عن الهوى ودع الهوى * للعاشقين يطيب يا هجر ماذا تريد من الذين جفونهم * قرحى وحشو قلوبهم جمر والحزن حشو صدورهم ووجوههم * مما تجنّ صدورهم صفر وسوابق العبرات فوق نحورهم * درر تلوح كأنها القطر صرعى على جسر الهوى لشقائهم * بنفوسهم يتلاعب الدّهر حكى لي بعض الناس أن امرأة نزلت معهم في سفينة ، فوصلت إلى بعض الأماكن ، فقالت : رقّوني . فقالوا : ليس هذا بموضع صعود ، فقالت : لا بدّ ، فصعدت ، قال : وسرنا ، فلما عدنا وجدناها قد ولدت وماتت هناك . وهذه امرأة قد هربت من بلدها لعار ارتكبته ، فآثرت الموت على العار ، فانظر ما يصنع الهوى بأربابه ! . أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج ، قالت : أخبرنا جعفر بن أحمد ، قال :