ابن الجوزي
356
كتاب ذم الهوى
في حيّ بني فلان ، فألفيت عندهم جارية قد لاثت « 1 » رأسها ، وعليها قميص وقناع مصبوغان ، وفي عنقها طبل توقع عليه وتنشد : محاسنها سهام للمنايا * مريّشة بأنواع الخطوب برى ريب المنون لهنّ سهما * يصيب بنصله مهج القلوب فأجبتها : قفي شفتي في موضع الطبل ترتقي * كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن هبيني عودا أجوفا تحت شنّة « 2 » * تمتّع فيما بين نحرك والذّقن فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل فرمت به في وجهي وبادرت إلى الخباء فدخلت . فلم أزل واقفا إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي لا تخرج إليّ ، ولا ترجع إليّ جوابا . فقلت : أنا واللّه معها كما قال الشاعر : فو اللّه يا سلمى لطال إقامتي * على غير شيء يا سليمى أراقبه ثم انصرفت سخين العين ، قرح القلب ، فهذا الذي ترى من التغير من عشقي لها . فضحك الرشيد حتى استلقى ، فقال : ويحك يا عبد الملك ، ابن ست وتسعين سنة يعشق ! قلت : وقد كان ذلك يا أمير المؤمنين . أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أنبأنا الحسن بن علي ، قال : أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : أنبأنا محمد بن خلف ، قال : أخبرني أبو العباس المروزي ، قال : أخبرني بعض أهل الأدب أنه كان للمتوكّل جارية يقال لها محبوبة ، وكانت من الأدب والإحسان في الغناء على
--> ( 1 ) أي : عصبت . ( 2 ) الشنة : القربة الخلق .