ابن الجوزي
327
كتاب ذم الهوى
فتنشأ الصّفرة في البدن ، والرعدة في الأطراف ، واللّجلجة في اللسان ، والنّحول في الجسد ، فالرأي عاطل ، والقلب غائب عن تدبير مصلحته ، والدموع هواطل ، والحسرات تتتابع ، والزفرات تتوالى ، والأنفاس لا تمتد ، والأحشاء تضطرم ، فإذا غشي على القلب إغشاء تاما أخرجت إلى الجنون ، وما أقربه حينئذ من التلف ، هذا وكم يجني من جناية على العرض ، ووهن الجاه بين الخلق ، وربما أوقع في عقوبات البدن وإقامة الحد ، وقد أنشدوا : وما عاقل في الناس يحمد أمره * ويذكر إلّا وهو في الحبّ أحمق وما من فتى قد ذاق بؤس معيشة * من الناس إلّا ذاقها حين يعشق قال جالينوس : العشق من فعل النفس ، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد . وفي الدماغ ثلاثة مساكن : مسكن للتّخيّل وهو في مقدم الرأس ، ومسكن للفكر وهو في وسطه ، ومسكن للذكر وهو في مؤخره ، ولا يسمى عاشقا إلا من إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيّله ، فيمتنع عن الطعام والشراب ؛ باشتغال الكبد ، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر ، فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به . فصل : ولقد وصف الحكماء قبح ما فيه العشّاق فأبلغوا ، وكانت تأتي على عقلاء العشاق أحيانا إفاقة ، فيصفون قبح ما هم فيه . أخبرنا إبراهيم بن دينار ، قال : أنبأنا ابن نبهان ، قال : أنبأنا ابن دوما ، قال : أنبأنا أحمد بن نصر الذارع ، قال : حدثنا صدقة بن موسى ، قال : حدثنا الجاحظ ، قال : ذكر لي بعض حكماء الهند أنه قال : إذا ظهر العشق عندنا في رجل أو امرأة غدونا على أهله بالتعزية .