ابن الجوزي

321

كتاب ذم الهوى

المرزبان فعشقها ، حتى غلبت عليه ، فهو لا يهدى إلا بها ، ولا يتشاغل إلا بذكرها . فقال بهرام : الآن رجوت فلاحه . ثم دعا بأبي الجارية فقال له : إني مسرّ إليك سرا فلا يعدونّك ، فضمن له ستره ، فأعلمه أن ابنه قد علق ابنته ، وأنه يريد أن ينكحها إياه ، وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها وتقع عينه عليها ، فإذا استحكم طمعه فيها تجنّت عليه وهجرته ، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ومن همّته همّة ملك ، وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك ، ثم ليعلمه خبرها وخبره ، ولا يطلعها على ما أسرّ إليه . فقبل أبوها ذلك منه . ثم قال للمؤدب الموكّل به : خوّفه وشجّعه على مراسلة المرأة . ففعل ذلك ، وفعلت المرأة ما أمرها به أبوها ، فلما انتهت إلى التجنّي عليه وعلم الفتى السبب الذي كرهته له ، أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرماية وضرب الصوالجة ، حتى مهر في ذلك ، ثم رفع إلى أبيه أنه محتاج من الدواب والآلات والمطاعم والملابس والندماء ، إلى فوق ما تقدّم له ، فسرّ بذلك الملك ، وأمر له به ، ثم دعا مؤدّبه فقال : إنّ الموضع الذي وضع به ابني نفسه من حبّ هذه المرأة لا يزري به ، فتقدم إليه أن يرفع إليّ أمرها ، ويسألني أن أزوّجه إياها . ففعل . فرفع الفتى ذلك إلى أبيه ، فدعا بأبيها فزوّجها إياه ، وأمر له بتعجيلها إليه ، وقال له : إذا اجتمعت وهي فلا تحدث شيئا . حتى أصير إليك . فلما اجتمعا صار إليه ، فقال : يا بنيّ لا يضعنّ عندك منها مراسلتها إياك وليست في حبالك ، فإني أنا أمرتها بذلك وهي أعظم الناس منّة عليك بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلّق بأخلاق الملوك ، حتى بلغت الحدّ الذي تصلح