ابن الجوزي
316
كتاب ذم الهوى
الكوفة ثلاثة فتيان ، شبانا أدباء ، وليس لنا ببغداد من نقصده فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر ، فكنا نبكر فنجلس في المسجد الذي بباب الجسر في كلّ غداة ، فمرّت بنا يوما امرأة راكبة معها خدم سودان ، فقلنا : من هذه ؟ قالوا : خالصة . فقال أحدنا : قد عشقت خالصة ، وعمل فيها شعرا ، فأعنّاه عليه . ثم لم يلبث أن مرّت بنا أخرى راكبة معها خدم بيضان ، فقلنا : من هذه ؟ قالوا : عتبة ، فقلت : قد عشقت عتبة . فلم يزل كذلك في كل يوم إلى أن التأمت لنا أشعار كثيرة . فرفع صاحبي شعره إلى خالصة ، ورفعت أنا شعري إلى عتبة . فلم نزل كذلك ، وألححنا إلحاحا شديدا ، فمرة تقبل أشعارنا ، ومرة تطرد ، إلى أن جدّوا في طردنا . فجلست عتبة يوما في أصحاب الجوهر ، ومضيت فلبست ثياب راهب ، ودفعت ثيابي إلى إنسان كان معي ، وسألت عن رجل كبير من أهل السوق فدللت على شيخ ، فجئت إليه ، فقلت : إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة ، فقام معي وجمع جماعة من أهل السوق ، وجاءها فقال : إنّ اللّه قد ساق إليك خيرا ، هذا الراهب قد رغب في الإسلام على يديك . فقالت : هاتوه . فدنوت منها ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ، وقطعت الزنار ، ودنوت فقبّلت يدها ، فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني ، فقالت : نحّوه ، لعنه اللّه . فقالوا : لا تلعنيه فقد أسلم . فقالت : إنما فعلت ذلك لقذره . فعرضوا عليّ كسوة ، فقلت : ليس بي حاجة إلى هذه ، وإنما أردت أن أشرف بولائها ، والحمد للّه الذي منّ عليّ بحضوركم . فجعلوا يعلّمونني الحمد ، وصليت معهم العصر ، وأنا في ذلك بين يديها أنظر