ابن الجوزي
313
كتاب ذم الهوى
الحسن بن علي ، قال : أنبأنا ابن حيّويه ، قال : أنبأنا ابن المرزبان إذنا ، وحدثنا عنه محمد بن حريث ، قال : أخبرني أبو عبد اللّه التميمي ، قال : أخبرني علي بن الحسن القرشي ، عن رجل من أهل المدينة ، كان أديبا ظريفا طلّابة للأدب والملح ، قال : كنت يوما في مجلس رجل من قريش بالمدينة ، ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة ، لها حسن فائق وجمال رائق ، ومعنا فتى من أقبح من رأته العين وأحمقه وأغباه ، والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا فتى أحسن الناس وجها وأسراه ثوبا وأطيبه ريحا ، فأقبل عليّ صاحب البيت فقال لي : إن في أمر هذين لعجبا . قلت : وما ذاك ؟ قال : هذه الجارية تحب هذا - يعني القبيح الوجه - وليس لها في قلبه محبة ، وهذا الحسن الوجه يحبّها ، وليس له في قلبها محبة . فبينا نحن على شرابنا إذ سرّ الفتى الحسن الوجه فتغنى : بيد الذي شغف الفؤاد بكم * فرج الذي ألقى من السّقم فاستيقني أن قد كلفت بكم * ثم افعلي ما شئت عن علم فأقبلت عليه فقالت : قد علمنا ذلك فمه . ثم تركته وأقبلت على القبيح ، فلبثا ساعة فغنى الفتى أيضا : ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني * بثينة لا يخفى عليّ كلامها قال : فقالت : اللهم أعط عبدك ما سأل . فغاظتني جدا ، ولم أصبر ، فقلت لها : يا فاجرة ، تختارين هذا ، وهو أقبح من ذنوب المصرّين ، على هذا الذي هو أحسن من توبة التائبين ! . فقالت لي : ليس الهوى بالاختيار ، ثم أنشأت تغني : ولا تلم المحبّ على هواه * فكلّ متيّم كلف عميد يظنّ حبيبه حسنا جميلا * وإن كان الحبيب من القرود