ابن الجوزي

270

كتاب ذم الهوى

امرأة جميلة ، فجعلت تراوده عن نفسه وتأبى إلا ما تريد ، فجعل عطاء يبكي ويقول : ويحك إليك عني ، إليك عني ، قال : واشتدّ بكاؤه ، فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه ، فجعل يبكي والمرأة بين يديه تبكي . فبينا هو كذلك ، جاء سليمان من حاجته ، فلما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه تبكي في ناحية البيت بكى لبكائهما ، لا يدري ما أبكاهما ، وجعل أصحابهما يأتون رجلا رجلا ، كلما أتاهم رجل فرآهم يبكون جلس يبكي لبكائهما ، لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت . فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت وقام القوم فدخلوا ، فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالا له وهيبة ، قال : وكان أسنّ منه . ثم إنهما قدما مصر لبعض حاجتهم ، فلبثا بها ما شاء اللّه ، فبينا عطاء ذات ليلة نائما استيقظ وهو يبكي ، فقال سليمان : ما يبكيك يا أخي ؟ قال : رؤيا رأيتها الليلة . قال ما هي : قال لا تخبر بها أحدا ما دمت حيا . رأيت يوسف النبي عليه السّلام في النوم ، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر ، فلما رأيت حسنه بكيت ، فنظر إليّ في الناس فقال : ما يبكيك أيها الرجل ؟ قلت : بأبي أنت وأمي يا نبيّ اللّه ، ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها ، وما لقيت من السجن ، وفرقة الشيخ يعقوب ، فبكيت من ذلك ، وجعلت أتعجّب منه . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : فهلّا تعجّبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء ؟ ! . فعرفت الذي أراد ، فبكيت واستيقظت باكيا . فقال سليمان : أي أخي وما كان حال تلك المرأة ؟ . قال : فقصّ عطاء عليه القصة ، فما أخبر بها سليمان أحدا حتى مات عطاء ، فحدّث بها امرأة من أهله . قال : وما شاع هذا الحديث بالمدينة إلا بعد موت سليمان بن يسار .