ابن الجوزي
145
كتاب ذم الهوى
يوسف بن محمد المهرواني ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن حسنون ، قال : حدثنا جعفر الخواص ، قال : حدثنا أحمد بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثني هارون بن معروف ، قال حدثني سعيد بن عبد اللّه ، قال : سمعت رجلا يحدّث عن وهب ، قال : كان في بني إسرائيل دير ، وكان فيه قوم عبّاد ، وكان لهم عيد يجتمعون فيه ، فخرجوا يوما في عيدهم ، فنظر رجل من العبّاد إلى جارية من بني إسرائيل متعبدة ، فلما رأته قد أحدّ النظر إليها ، قالت ، وهي لا توهمه أنه يريدها : سبحان الذي أضاء العيون فأبصرت ، وهي متعرّضة إلى ما حرّم عليها ! فخرّ الحبر لوجهه ساجدا ، وجعل يقول : سيدي لا تسلبني بصري عقوبة منك لنظري ، فو عزّتك لأبكينّ بعدها ما أطاقت البكاء ، عميت أم لم تعم . فبكى حتى عمي . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا أبو الحسن بن الفضل بن الحسن الأدمي ، وأنبأنا أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي ، قالا : أنبأنا أبو العباس أحمد بن عبد الغفار قال : حدثنا أبو سعد محمد بن علي بن عمرو النقاش ، قال : سمعت محمد بن عبد العزيز الواعظ ، قال : سمعت خيرا النساج يقول : كنت مع أبي حمزة بالشام فإذا نحن بصومعة راهب بين الرّملة ومصر ، فسمعت بكاءه وشهيقه ، فناداه أبو حمزة ثلاثا فلم يجبه ، فقال له أبو حمزة : سألتك بحقّ من يجب له الحقّ عليك إلا كلّمتني . فقال بصوت ضعيف : وما يدعوك إلى كلامي ؟ فقال : أردت أن أسألك عن مسألة عرضت لي . فقال : إني لفي شغل عن مسألتك وكلامك فامض راشدا ، عافاك اللّه . فقال له أبو حمزة : أرني وجهك فقال : وما تصنع بالنظر إلى من أصيب من النظر ؟ فقال : أحببت أن أشافهك بمسألتي إياك : فقال : إن كنت تريد جواب مسألتك فاسأل حتى أخبرك ، وإن كنت تريد النظر فامض لشأنك فقد أعلمتك أنّ بي مصيبة . قال : وما مصيبتك ؟ فقال : إني اطّلعت من صومعتي هذه منذ عشرين سنة ، فوقعت عيني على شخص فأفسد قلبي ، وأنا في علاجه وجهاده منذ ذلك اليوم إلى وقتي ، ما علمت أني نظرت إلى أحد من الناس حتى كلّمتني .