ابن الجوزي
134
كتاب ذم الهوى
بكتاب الزهرة ، ولو أنّ هذا الرجل غضّ بصره أول مرة لتخلّص ، لكنه لم ير أنّ الحرام سوى الفاحشة . ومن أخباره العجيبة ما أخبرتنا به شهدة بنت أحمد ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد بن السراج ، قال : أنبأنا القاضي أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن سلامة القاضي القضاعي ، عن أبي الحسن بن علي بن نصر بن الصّبّاح ، قال : حدثنا أبو عمر عبد اللّه بن أحمد السمسار : أنّ أبا بكر بن داود الأصبهاني كان يدخل الجامع من باب الورّاقين ، فلما كان بعد مدة عدل عنه وجعل دخوله من غيره ، وكنت مجترئا عليه ، فسألته عن ذلك ، فقال : يا بنيّ ، السبب فيه أني في الجمعة الماضية أردت الدخول منه ، فصادفت عند الباب حدثين يتحدثان ، وكلّ واحد منهما مسرور بصاحبه ، فلما رأياني قالا : أبو بكر قد جاء ، فتفرّقا ، فجعلت على نفسي أن لا أدخل من باب فرّقت فيه بين مؤتلفين . فصل : وقد يقع للنفس تأويل في مصاحبة الحدث الذي قد بدت زغبات الشعر على وجهه ، فتقول النفس : هذا ليس بأمرد ، وإنما هو رجل ، فلا بأس بصحبته ، وإنما يقع لها هذا التأويل لما ينظر من هواه ، فيقال لها : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، إن كان لك ميل إليه ، وعندك التذاذ برؤيته ، فحكمه حكم الأمرد ، لأنّ المعنى في ذاك موجود في هذا ، ولو أنّ إنسانا التذّ بالنظر إلى بنت شهرين لم يجز له النظر إليها ، أو إلى ابن خمسين سنة ، أما سمعت قول عائشة ، وقد سألها نسوة عن المسكر ، فقالت : لو ظنّت إحداكنّ أنّ ماء حبّها « 1 » يسكرها فلا تشربه . واعلم أن كثيرا من الصبيان تحسن وجوههم بخروج زغبات الشعر فيزيدون
--> ( 1 ) الحب : الجرة ، وفي الكلام تورية .