ابن الجوزي
107
كتاب ذم الهوى
الحسن بن دوما ، قال : أنبأنا الذارع ، قال : حدثنا سعيد بن معاذ ، قال : حدثنا حماد بن إسحاق ، عن أبيه ، قال : قال بعض الحكماء : أول العشق النظر ، وأول الحريق الشرر . قال الذارع : وحدثنا صدقة بن موسى ، قال : أنبأنا مهدي بن سابق ، قال : اجتمع عند الإسكندر نفر من الفلاسفة ، فذكروا يوما : تولّد المحبّة من النظر . فقال أحدهم : النظر أوله أسف وآخره تلف . وقال آخر : من طاوع طرفه ، تابع حتفه . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أنبأنا الجوهري ، قال : حدثنا ابن حيّويه ، قال : أنبأنا ابن المرزبان إذنا ، قال : حدثني محمد بن علي بن بشر المصري ، قال : حدثني الفضل بن عاصم المنقري ، قال : بينا رجل يطوف بالكعبة ، إذ بصر بامرأة ذات جمال وقوام ، فأفتنته وشغلت قلبه ، فأنشأ يقول : ما كنت أحسب أنّ الحبّ يعرض لي * عند الطواف ببيت اللّه ذي السّتر حتى ابتليت فصار القلب مختبلا * من حبّ جارية حوراء كالقمر يا ليتني لم أكن عاينت صورتها * للّه ماذا توخّاني به بصري فاحذر يا أخي ، وفّقك اللّه ، من شرّ النظر ، فكم قد أهلك من عابد ، وفسخ عزم زاهد ، وسترى في غضون هذا الكتاب ما تعتبر به من قصص من فتنه النظر ، فاتّعظ بذلك ، وتلمّح معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « النظر سهم مسموم » لأنّ السمّ يسري إلى القلب فيعمل في الباطن قبل أن يرى عمله في الظاهر ، فاحذر من النظر فإنه سبب الآفات ، إلا أنّ علاجه في بدايته قريب ، فإذا كرّر تمكّن الشرّ فصعب علاجه . وأضرب لك في ذلك مثلا : إذا رأيت فرسا قد مالت براكبها إلى درب ضيق فدخلت فيه ببعض بدنها ، ولضيق المكان لا يمكن أن تدور فيه ، فصيح به : ارجعها عاجلا ، قبل أن يتمكن دخولها ، فإن قبل وردّها خطوة إلى ورائها ، سهل