ابن الجوزي

5

صيد الخاطر

المقدمة [ - 1 - ] كنت أعمل في بغداد نحو سنة ( 1936 ) أدرّس العلوم الشرعية في الأعظمية ، وأقيم فيها منفردا ، فكنت إذا طال عليّ الليل ، وأوحشت الوحدة ، أفزع إلى مكتبة الكلية ، أستعير منها الكتاب بعد الكتاب أنظر فيه ، فأطالع بعضها وأكتفي من بعضها بتصفح أوراقه ، والا لمام بموضوعاته ، وبعض أدرسه وألخّصه ، وبعض أختار منه . وكان فيما استعرت منها ، كتاب بلغ من اعجابي به أن استبقيته عندي ، إلى أن فارقت الكلية ، أقرأ فيه كل يوم ، فلا أملّ القراءة فيه ، ولا تخلو نظرة فيه من موعظة أتعظ بها ، أو فائدة أستفيدها ، أو طرفة آنس بها . وفيه فوق ذلك تحليل للنفوس وفيه وصف للمجتمع ، في أسلوب مبتكر ، وطريقة في التصنيف لا أعرفها لأحد من المصنفين . وكان الكتاب « صيد الخاطر لابن الجوزي » . - 2 - وفي هذا الاسم توفيق عجيب : ذلك ان الخواطر لا تفتأ تمر على الذهن ، كأنها الطيور التي تجوز سماء الحقل ، تراها لحظة ثم تفتقدها ، فكأنك ما رأيتها ، فإذا أنت اصطدتها وقيدتها ملكتها أبدا . لذلك جعل المؤلف هذا الكتاب « قيدا لصيد الخاطر » فكان الاسم نفسه نفحة من نفحات العبقرية . وقد قلّده فيه ( أحمد أمين ) فسمى ديوان مقالاته ( فيض الخاطر ) وشتان ما هما . ولو أن كل عالم ، بل لو أن كل متعلم قيّد ما يمر بذهنه من الخواطر لكان من ذلك ثروة له وللناس : يعود هو بعد سنين إلى ما كتب ، فيرى فيه تاريخ تفكيره ،