ابن الجوزي

78

صيد الخاطر

وأما المحرمات ، فتشتمل على ما أشرنا اليه من المباحات ، وتزيد عليه خوف عقاب الدنيا وفضيحتها ، ووعيد الآخرة ، ثم الجزع كلما ذكرها التائب ، وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة . ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلا ، لأنه قهر ، بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزا لأنه قهر ، فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحسن ، كما يرى اللص لذة أخذ المال من الحرز ، ولا يرى بعين فكره القطع ، وليفتح عين البصيرة لتأمل العواقب واستحالة اللذة نغصة ، وانقلابها عن كونها لذة إما لملل أو لغيره من الآفات ، أو لانقطاعها بامتناع الحبيب ، فتكون المعصية الأولى كلقمة تناولها جائع ، فما ردّت كلب الجوع ، بل شهّت الطعام . وليتذكر الانسان لذة قهر الهوى مع تأمل فوائد الصبر عنه ، فمن وفق لذلك كانت سلامته قريبة منه . 33 - الشواغل عن اللّه خطر لي خاطر والمجلس « 1 » قد طاب ، والقلوب قد حضرت ، والعيون جارية ، والرؤوس مطرقة ، والنفوس قد ندمت على تفريطها ، والعزائم قد نهضت لا صلاح شؤونها ، وألسنة اللوم تعمل في الباطن على تضييع الحزم وترك الحذر ، فقلت لنفسي : ما بال هذه اليقظة لا تدوم ، فاني أرى ان النفس واليقظة في المجلس متصافيان متصادقان ، فإذا قمنا عن هذه التربة ، وقعت الغربة ، فتأملت ذلك فرأيت أن النفس ما تزال متيقظة ، والقلب ما يزال عارفا ، غير أن القواطع كثيرة ، والفكر الذي ينبغي استعماله في معرفة اللّه سبحانه وتعالى قد كلّ مما يستعمل في اجتلاب الدنيا ، وتحصيل حوائج النفوس ، والقلب منغمس في ذلك ، والبدن أسير مستخدم ، بينا الفكر يجول في اجتلاب الطعام والشراب والكسوة ، وينظر في صدد ذلك ، وما يدخره لغده وسنته ، اهتم بخروج الحدث وتشاغل بالطهارة ، ثم اهتم بخروج الفضلات المؤذية ، ومنها المني ، فاحتاج إلى النكاح ، فعلم أنه لا يصح إلا باكتساب كسب الدنيا ، فتفكر في ذلك وعمل بمقتضاه ، ثم جاء الولد فاهتم به وله ، وإذا الفكر عامل في أصول الدنيا وفروعها ، فإذا حضر الانسان المجلس فإنه لا يحضر جائعا ، ولا حاقنا ، بل يحضر جامعا لهمته ناسيا ما كان من الدنيا على ذكره ، فيخلو

--> ( 1 ) يعني مجلس وعظه . انظر الفصل ( 1 ) .