ابن الجوزي

76

صيد الخاطر

والمتعلمون ، والعبّاد ، والمتزهدون . فتأملت العباد والمتزهدين ، فرأيت جمهورهم يتعبد بغير علم ، ويأنس إلى تعظيمه ، وتقبيل يده ، وكثرة أتباعه ، حتى أن أحدهم لو اضطر إلى أن يشتري حاجة من السوق لم يفعل ، لئلا ينكسر جاهه ، ثم تترقى بهم رتبة الناموس إلى أن لا يعودوا مريضا ، ولا يشهدوا جنازة ، إلا أن يكون عظيم القدر عندهم ، ولا يتزاورون ، بل ربما ظن بعضهم على بعض ، فقد صارت النواميس كالأوثان يعبدونها ولا يعلمون . وفيهم من يقدم على الفتوى بجهل لئلا يخل بناموس التصدر ، ثم يعيبون العلماء لحرصهم على الدنيا ولا يعلمون أن المذموم من الدنيا ما هم فيه ، لا تناول المباحات . ثم تأملت العلماء والمتعلمين ، فرأيت القليل من المتعلمين من عليه أمارة النجابة ، لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به ، وجمهورهم يطلب ما يصيّره شبكة للكسب ، إما ليأخذ قضاء مكان أو ليصير قاضي بلد ، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه ثم يكتفي . ثم تأملت العلماء فرأيت أكثرهم يتلاعب به الهوى ويستخدمه فهو يؤثر ما يصده العلم عنه ، ويقبل على ما ينهاه ، ولا يكاد يجد ذوق معاملة اللّه سبحانه ، وإنما همته أن يقول : ألا ان اللّه لا يخلي الأرض من قائم له بالحجة ، جامع بين العلم والعمل ، عارف بحقوق اللّه تعالى ، خائف منه . فذلك قطب الدنيا ، ومتى مات أخلف اللّه عوضه ، وربما لم يمت حتى يرى من يصلح للنيابة عنه في كل نائبة . ومثل هذا لا تخلو الأرض منه ، فهو في مقام النبي في الأمة ، وهذا الذي أصفه يكون قائما بالأصول ، حافظا للحدود ، وربما قل علمه أو قلت معاملته . فأما الكاملون في جميع الأدوات فيندر وجودهم ، فيكون في الزمان البعيد منهم واحد . ولقد سبرت السلف كلهم فأردت أن أستخرج منهم من جمع بين العلم حتى صار من المجتهدين ، وبين العمل حتى صار قدوة للعابدين ، فلم أر أكثر من ثلاثة : أولهم الحسن البصري ، وثانيهم سفيان الثوري ، وثالثهم أحمد بن حنبل « 1 » ، وقد أفردت لأخبار كل واحد

--> ( 1 ) لقد حجر المؤلف واسعا والا فأين أبو حنيفة وأين ابن المبارك وأين الأوزاعي وأين المئات من أمثالهم ممن كانوا في العلم مقصد الطالبين ، وكانوا في العبادة والورع أئمة المتقين ، ان طالب العلم يستطيع أن يعد منهم عشرات من غير ( سبر ولا استقصاء ) . وانظر شهادته للأئمة الأربعة جميعا بالعبادة في الفصل ( 40 ) .