ابن الجوزي

74

صيد الخاطر

تاقت نفسي إليها فما زلت أسأل الفقهاء لعل مخلوقا يرخص لي . فكلهم قال : لا يجوز النظر إليها بشهوة ، ولا لمسها ، ولا جماعها إلا بعد حيضها . قال : فسألتها فأخبرتني أنها اشتريت وهي حائض . فقلت : قرب الأمر . فسألت الفقهاء فقالوا : لا يعتد بهذه الحيضة حتى تحيض في ملكه . قال : فقلت لنفسي وهي شديدة التوقان لقوة الشهوة ، وتمكن القدرة ، وقرب المصاقبة : ما تقولين ؟ فقالت : الايمان بالصبر على الجمر شئت أو أبيت . فصبرت إلى أن حان ذلك فأثابني اللّه تعالى على ذلك الصبر نيل ما هو أعلى منها وأرفع . 30 - من دلائل الوحدانية نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل ، ورأيت من أعجبها أن الانسان قد يخفي ما لا يرضاه اللّه عز وجل ، فيظهره اللّه سبحانه عليه ولو بعد حين ، وينطق الألسنة به وان لم يشاهده الناس . وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جوابا لكل ما أخفى من الذنوب ، وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل ، ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار ، ولا يضاع لديه عمل . وكذلك يخفي الانسان الطاعة فتظهر عليه ويتحدث الناس بها وبأكثر منها ، حتى أنهم لا يعرفون له ذنبا ولا يذكرونه إلا بالمحاسن ، ليعلم أن هنالك ربا لا يضيع عمل عامل ، وأن قلوب الناس لتعرف حال الشخص فتحه أو تأباه ، وتذمه أو تمدحه ، وربما لم يتحقق ما بينه وبين اللّه تعالى فإنه يكفيه كل هم ، ويدفع عنه كل شر ، وما أصلح عبد بينه وبين الخلق دون الحق ، إلا انعكس مقصوده وعاد حامده ذاما . 31 - طبقات الغافلين تأملت الأرض ومن عليها بعين فكري ، فرأيت خرابها أكثر من عمرانها ، ثم نظرت في المعمور منها ، فوجدت الكفار مستولين على أكثره ، ووجدت أهل الاسلام في الأرض قليلا بالإضافة إلى الكفار ، ثم تأملت المسلمين فرأيت الأكساب قد