ابن الجوزي

68

صيد الخاطر

المدرك ، ولو أننا رأينا نقشا عجيبا لاستغرقنا تعظيم النقاش وتهويل شأنه وظريف حكمته عن حب المنقوش ، وهذا مما تترقى اليه الافكار الصافية ، إذا خرق نظرها الحسيات ونفذ إلى ما وراءها ، فحينئذ تقع محبة الخالق ضرورة ، وعلى قدر روية الصانع في المصنوع يقع الحب له ، فإن قوي أوجب قلقا وشوقا ، وان مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفا ، وان انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاء قويا ، و « قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ » . * 27 - التسليم أولى تأملت حالا عجيبة ، وهي أن اللّه سبحانه وتعالى قد بنى هذه الأجسام متقنة على قانون الحكمة ، فدلّ بذلك المصنوع على كمال قدرته ، ولطيف حكمته . ثم عاد فنقضها فتحيرت العقول بعد اذعانها له بالحكمة في سر ذلك الفعل . فأعلمت أنها ستعاد للمعاد ، وان هذه البنية لم تخلق إلا لتجوز في مجاز المعرفة وتتجر في موسم المعاملة ، فسكنت العقول لذلك . ثم رأت أشياء من هذا الجنس أظرف منه ، مثل اخترام شاب ما بلغ بعض المقصود بنيانه ، وأعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه يتململان ولا يظهر سر سلبه . واللّه الغني عن أخذه ، وهما أشد الخلق فقرا إلى بقائه . وأظرف « 1 » منه إبقاء هرم لا يدري معنى البقاء ، وليس له فيه إلا مجرد أذى . ومن هذا الجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم ، وتوسعته على الكافر الأحمق ، في نظائر لهذه المذكورات يتحير العقل في تعليلها ، فيبقى مبهوتا . فلم أزل أتلمح جملة التكاليف ، فإذا عجزت قوى العقل عن الاطلاع على حكمة ذلك وقد ثبت لها حكمة الفاعل علمت قصورها عن درك جميع المطلوب فأذعنت مقرة بالعجز وبذلك يؤدى مفروض تكليفها ، فلو قيل للعقل : قد ثبت عندك حكمة الخالق بما بنى أفيجوز أن ينقدح في حكمته أنه نقض ؟ لقال : إني عرفت بالبرهان أنه حكيم ، وأنا أعجز عن ادراك علل حكمته ، فأسلّم على رغمي مقرا بعجزي « 2 » . 28 - في الحب والزواج تأملت في فوائد النكاح ومعانيه وموضوعه . فرأيت أن الأصل الأكبر في وضعه

--> ( 1 ) أي أعجب . ( 2 ) هذا هو الحق وقد أخذه كانت الفيلسوف الألماني الأشهر فقاله بعد قرون طوال .