ابن الجوزي
55
صيد الخاطر
عشرين ألفا . وكان سفيان « 1 » يتجر بمال ، وكان ابن مهدي يستغلّ كل سنة ألفي دينار . وإن أكثر من النكاح والسراري كان ممدوحا لا ملوما ، فقد كان للنبي صلّى اللّه عليه وسلم زوجات ، وسراري . وجمهور الصحابة ، كانوا على الاكثار من ذلك ، وكان لعلي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه أربع حرائر ، وسبع عشرة أمة ، وتزوج ولده الحسن نحوا من أربعمائة . فان طلب التزوج للأولاد ، فهو الغاية في التعبد ، وإن أراد التلذذ فمباح ، يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى ، من إعفاف نفسه والمرأة ، إلى غير ذلك . وقد أنفق موسى عليه السلام من عمره الشريف عشر سنين في مهر بنت شعيب ، فلو لا أن النكاح من أفضل الأشياء ، لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه ، وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « خيار هذه الأمة أكثرها نساء » ، وكان يطأ جارية له وينزل في أخرى . وقالت سرية الربيع بن خيثم : كان الربيع يعزل . وأما المطعم فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة اللّه عز وجل ، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يأكل ما وجد ، فان وجد اللحم أكله ، ويأكل لحم الدجاج ، وأحب الأشياء اليه الحلوى والعسل . وما نقل عنه أنه امتنع من مباح . وجيء علي رضي اللّه عنه بفالوذج فأكل منه ، وقال : ما هذا ؟ قالوا : يوم النوروز ، فقال : نورزونا كل يوم . وإنما يكره الأكل فوق الشبع ، واللبس على وجه الاختيال والبطر . وقد اقتنع أقوام بالدون من ذلك ، لأن الحلال الصافي لا يكاد يمكن فيه تحصيل المراد ، وإلا فقد لبس النبي صلّى اللّه عليه وسلم حلة اشتريت له بسبعة وعشرين بعيرا . وكان لتميم الداري « 2 » حلة اشتريت بألف درهم ، يصلي فيها بالليل . فجاء أقوام ، فأظهروا التزهد ، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى ، ثم تطلبوا لها الدليل ، وإنما ينبغي للانسان أن يتبع الدليل لا أن يتبع طريقا ويطلب دليلها ، ثم انقسموا : فمنهم متصنع في الظاهر ، ليث الشرى في الباطن ، يتناول في خلواته الشهوات ، ويعكف على اللذات . ويرى في الناس بزيه أنه متصوف متزهد ، وما تزهد إلا القميص . وإذا نظر إلى أفعاله فعنده كبر فرعون . ومنهم سليم الباطن ، إلا أنه بالشرع جاهل . ومنهم من تصدر وصنف فاقتدى به الجاهلون في هذه الطريقة ، وكانوا كعمي اتبعوا
--> ( 1 ) هما سفيانان : الثوري وابن عيينة وكلاهما من الاعلام ، والمراد الأول عند الاطلاق لأنه أكبر وأشهر . ( 2 ) صحابي سكن القدس توفي سنة 40 .