ابن الجوزي

49

صيد الخاطر

عن ربه عز وجل : « لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل ، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولم أسمعهم صوت الرعد » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « البر لا يبلى ، والاثم لا ينسى والديان لا ينام « 1 » وكما تدين تدان » . وقال أبو سليمان الداراني « 2 » : « من صفّى صفّي له ومن كدر كدر عليه ، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره ، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله » . وكان شيخ يدور في المجلس ويقول : « من سره أن تدوم له العافية ، فليتق اللّه عز وجل » ، وكان الفضيل بن عياض ، يقول : « اني لأعصي اللّه ، فأعرف ذلك في خلق دابتي ، وجاريتي » . واعلم وفقك اللّه - انه لا يحس بضربة مبنّج ، وانما يعرف الزيادة من النقصان المحاسب لنفسه ، ومتى رأيت تكديرا في حال فاذكر نعمة ما شكرت ، أو زلة قد فعلت ، واحذر من نفار النعم ، ومفاجأة النقم ، ولا تغتر بسعة بساط الحلم ، فربما عجل انقباضه . وقد قال اللّه عز وجل : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ، حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » . وكان أبو علي الروذباري « 3 » يقول : من الاغترار أن تسيء ، فيحسن إليك ، فتترك التوبة ، توهما أنك تسامح في الهفوات . 13 - في التكليف تفكرت يوما في التكليف ، فرأيته ينقسم إلى سهل وصعب ، فأما السهل فهو أعمال الجوارح ، إلا أن بعضا منها هو أصعب من بعض ، فالوضوء والصلاة أسهل من الصوم ، والصوم ربما كان عند قوم أسهل من الزكاة ، وأما الصعب فيتفاوت ، فبعضها أصعب من بعض ، فمن المستصعب النظر والاستدلال الموصلان إلى معرفة الخالق ، فهذا صعب عند من غلبت عليه أمور الحس ، سهل عند أهل العقل ، ومن المستصعب غلبة الهوى وقهر النفوس ، وكفّ أكفّ الطبع عن التصرف فيما يؤثره ، وكل هذا يسهل على العاقل النظر في ثوابه ورجاء عاقبته ، وان شق عاجلا ، وانما

--> ( 1 ) وفي رواية : والديان لا يموت اعمل ما شئت كما تدين تدان . ( 2 ) هو عبد الرحمن بن عطية ونسبته إلى قرية داريا من قرى دمشق . صوفي مشهور مات سنة 215 . ( 3 ) أحمد بن محمد ، هو من ذرية كسرى ، بغدادي سكن مصر وتوفي بها سنة 322 . كان من تلاميذ الجنيد .