ابن الجوزي
47
صيد الخاطر
8 - في أحباب اللّه سبحان من سبقت محبته لأحبابه ، فمدحهم على ما وهب لهم ، واشترى منهم ما أعطاهم ، وقدم المتأخر في أوصافهم ، لموضع إيثارهم ، فباهى بهم في صومهم ، وأحب خلوف أفواههم . يا لها من حالة مصونة لا يقدر عليها كل طالب ، ولا يبلغ كنه وصفها كل خاطب . 9 - في الاستعداد للموت الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله ، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه ، ولا يدري متى يستدعى ، واني رأيت خلقا كثيرا غرهم الشباب ونسوا فقد الاقران ، وألهاهم طول الأمل . وربما قال العالم المحض لنفسه : « أشتغل بالعلم ثم أعمل به » فيتساهل في الزهد بحجة الراحة ، ويؤخر الرجاء لتحقيق التوبة ، ولا يتحاشى من غيبة أو سماعها ، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع ، وينسى أن الموت قد يبغت . فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه ، فان بغته الموت رئي مستعدا ، وان نال الأمل ازداد خيرا . 10 - في أن الشدائد لتمحيص الذنوب خطرت لي فكرة فيما يجرى على كثير من العالم من المصائب الشديدة ، والبلايا العظيمة ، التي تتناهى إلى نهاية الصعوبة فقلت : سبحان اللّه . إن اللّه أكرم الأكرمين ، والكرم يوجب المسامحة فما وجه هذه المعاقبة ؟ فتفكرت ، فرأيت كثيرا من الناس في وجودهم كالعدم ، لا يتصفحون أدلّة الوحدانية ، ولا ينظرون في أوامر اللّه تعالى ونواهيه ، بل يجرون على عاداتهم كالبهائم ، فإن وافق الشرع مرادهم ، وإلا فمعوّلهم على أغراضهم . وبعد الحصول على الدينار ، لا يبالون أمن حلال كان أم من حرام . وان سهلت عليهم الصلاة فعلوها ، وان لم تسهل تركوها ، وفيهم من يبارز بالذنوب العظيمة ، مع نوع معرفة المناهي ، وربما قويت معرفة عالم منهم ، وتفاقمت ذنوبه ، فعلمت أن العقوبات ، وان عظمت دون اجرامهم ، فإذا وقعت عقوبة لتمحص ذنبا ، صاح مستغيثهم : ترى