ابن الجوزي

44

صيد الخاطر

قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا ، وأنصت بحضور قلبه ، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها ، فكيف يصح أن يكون كما كان ؟ وهذه حالة تعم الخلق ، إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر ، فمنهم من يعزم بلا تردد ، ويمضي من غير التفات ، فلو توقف بهم ركب الطبع لضجّوا ، كما قال حنظلة عن نفسه : « نافق حنظلة » . ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحيانا ، ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحيانا ، فهم كالسنبلة تميلها الرياح ، وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه ، كماء دحرجته على صفوان « 1 » . 2 - في جواذب الدنيا جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة ، ثم هي من داخل ، وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع ، ثم هو من خارج ، وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى ، لما يسمع من الوعيد في القرآن ، وليس كذلك ، لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا ، كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط ، وانما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف ، ولهذا أجاب معاون الشرع بالترغيب والترهيب يقوى جند العقل ، فأما الطبع فجواذبه كثيرة ، وليس العجب أن يغلب ، إنما العجب أن يغلب . 3 - في لذة المعصية وتعب الطاعة من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها ، نال خيرها ، ونجا من شرها ، ومن لم ير العواقب غلب عليه الحس ، فعاد عليه بالألم ما « 2 » طلب منه السلامة ، وبالنصب ما رجا منه الراحة . وبيان هذا في المستقبل يتبين بذكر الماضي ، وهو أنك لا تخلو ، أن تكون عصيت اللّه في عمرك ، أو أطعته ، فأين لذة معصيتك ؟ وأين تعب طاعتك ؟ هيهات رحل كلّ بما فيه ! فليت الذنوب إذ تخلّت خلّت ! وأزيدك في هذا بيانا مثّل ساعة الموت ، وانظر إلى مرارة الحسرات على التفريط ، ولا أقول كيف

--> ( 1 ) الصفاة والمروة والصفوان والمروان الصخر . ( 2 ) ما ، فاعل عاد .