ابن الجوزي

403

صيد الخاطر

فقال : إن بال غيره جاز « 1 » فما يفهم المراد من التنجيس بل يأخذ بمجرد اللفظ وكذلك يقول : لحم الخنزير حرام لا جلده . نعوذ باللّه من سوء الفهم . وكذلك يتفاوت الشعراء الذين شغلهم التفطن لدقائق الأحوال كقول قائلهم : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما والجفنات عدد يسير فلو قال الجفان لكان أبلغ . ولو قال بالدجى لكان أحسن ، ويقطرن دليل على القلة وكذلك قول القائل : همها العطر والفراش ويعلو * ها لجين ولؤلؤ منظوم وهذا قاصر ، فإنه لو فعلت هذا سوداء لحسنها . إنما المادح هو القائل : ألم تر أني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وان لم تطيّب وكذا قول القائل : أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني * حتى إذا قلت هذا صادق نزعا ولو كان صادقا في المحبة لما كان له قلب يخاطبه . وإذا خاطبه في الهجر لم يوافقه . انما المحب الصادق هو القائل : يقولون لو عاتبت قلبك لارعوى * فقلت : وهل للعاشقين قلوب ؟ ومثل هذا إذا نوقش كثير . فأقل موجود في الناس الفهم والغوص على دقائق المعاني . 365 - لذات الدنيا غير صافية من تأمل الدنيا علم أنه ليس فيها لذة أصلا ، فان وجدت لذة شيبت بالنغص التي تزيد على اللذة أضعافا . فمن اللذات النساء فربما لم تثبت المستحسنة ، وربما لم تحب الزوج ، فمتى علم ذلك تعزل عنها ، وربما خانت ، وذلك الهلاك . فان تمت المرادات فذكر الفراق زائد في التألم على الالتذاذ .

--> ( 1 ) داود امام الظاهرية والظاهرية « ومنهم ابن حزم - ومنهم من يتسمى في زماننا بأهل الحديث » هم أضيق الناس نظرا وأبعدهم عن فهم علل التشريع ، وعن حقيقة الفقه ، حتى بلغ الامر بابن حزم أن ألف كتابا في ابطال القياس بزعمه ، ولو بطل القياس لبطلت تسعة أعشار أحكام الشرع ، لأن المعاملات كلها مبنية أحكامها على القياس ، وبذلك كان الاسلام دينا مرنا يصلح لكل زمان ومكان وهذه من مزايا الاسلام .