ابن الجوزي

401

صيد الخاطر

وجمع المال وأخذ الشبهات واستعمال الراحة واللعب ومخالطة السلاطين . وهؤلاء قد كشفوا القناع وباينوا زهد أوائلهم ، بلى ، أعجب منهم من ينفق هذا عليه . 361 - تشبيه أحوال الآدمي بأطوار القمر ودود القز ان اللّه عز وجل جعل أحوال الآدمي أمثلة ليعتبر بها . فمن أمثلة أحواله القمر الذي يبتدئ صغيرا ثم يتكامل بدرا ، ثم يتناقص بانمحاق . وقد يطرأ عليه ما يفسده كالكسوف . فكذلك الآدمي أوله نطفة ، ثم يترقى من الفساد إلى الصلاح . فإذا تم كان بمنزلة البدر الكامل ، ثم تتناقص أحواله بالضعف فربما هجم الموت قبل ذلك هجوم الكسوف على القمر . قال الشاعر : والمرء مثل هلال عند طلعته * يبدو ضئيلا لطيفا ثم يتّسق يزداد حتى إذا ما تم أعقبه * كر الجديدين نقصا ثم ينمحق ومن أمثلة حاله ، دود القز فإنه يكون حيا إلى أن يبتدئ نبات قوته وهو ورق الفرصاد « 1 » ، فإذا اخضر الورق دبت الروح فيه ثم ينتقل من حال إلى حال كانتقال الطفل . ثم يرقد كغفلة الآدمي عن النظر في العواقب ، ثم ينتبه فيحرص على الأكل كحرص الشره على تحصيل الدنيا ، ثم يسدّ على نفسه كما يحطب الآدمي الأوزار على دينه ، فيرتهن في ذلك الحبس كما يرتهن الميت في قبره . ثم يقرض فيخرج خلقا آخر كما تنشر الموتى غرلا بهما ، وقد دله على البعث تكوّن النطفة كالميت ، ثم تصير آدميا ، وإلقاء الحب تحت الأرض فيفسد ثم يهتز خضرا . إذا المرء كانت له فكرة * ففي كل شيء له عبرة 362 - المذنب لا ينظر في العواقب لقلة عقله انما فضل العقل بتأمل العواقب . فأما القليل العقل فإنه يرى الحال الحاضرة ، ولا ينظر إلى عاقبتها ، فان اللص يرى أخذ المال وينسى قطع اليد . والبطال يرى لذة الراحة وينسى ما تجني من فوات العلم وكسب المال . فإذا كبر فسئل عن علم لم يدر ، وإذا احتاج سأل فذل ، فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة

--> ( 1 ) التوت .