ابن الجوزي

399

صيد الخاطر

وأما الفريق الثاني وهم العبّاد فرأيت أكثرهم في تخليط . أما الصحيحو القصد منهم فعلى غير الجادة في أكثر عملهم ، قد وضع لهم جماعة من المتقدمين كتبا فيها دفاين قبيحة ، وأحاديث غير صحيحة ، ويأمرون فيها بأشياء تخالف الشريعة ، مثل كتب الحارث المحاسبي ، وأبي عبد اللّه الترمذي ، وقوت القلوب لأبي طالب المكي ، وكتاب الاحياء لأبي حامد الطوسي « 1 » فإذا فتح المبتدئ عينه وهمّ بسلوك الطريق بهذه الكتب فحملته إلى الخطايا ، لأنهم قد بنوا على أحاديث محالة ويذمون الدنيا ولا يدرون ما المذموم منها ، فيتصور المبتدي ذم ذات الدنيا ، فيهرب المنقطع إلى الجبل ، وربما فاتته الجماعة والجمعة ، ويقتصر على البلوط والكمثرى فيورثه القولنج ، ويقنع بعضهم بشرب اللبن فينحل الطبع ، أو يأكل الباقلاء والعدس فيحدث له قراقر . وإنما ينبغي لقاصد الحج أن يرفق أولا بالناقة ليصل . ألا ترى للفطن من الأتراك يهتم بفرسه قبل تحصيل قوت نفسه وربما تصدى القاصّ لشرح أحوال قوم من السلف والمتزهدين فيتبعهم المريد فيتأذى بذلك . ومتى رددنا ذلك المنقول وبينا خطأ فاعله قال الجهال : أترد على الزهاد ؟ وانما ينبغي اتباع الصواب ولا ينظر إلى أسماء المعظمين في النفوس . فانا نقول : قال أبو حنيفة ثم يخالفه الشافعي وانما ينبغي أن يتبع الدليل . قال المروزي : مدح أحمد بن حنبل النكاح فقلت له قد قال إبراهيم بن أدهم : فصاح وقال : وقعنا في بنيات الطريق عليك بما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . وتكلم أحمد في الحارث المحاسبي ورد على سري السقطي حين قال : لما خلق اللّه الحروف وقفت الألف وسجدت الياء . فقال : نفّروا الناس عنه . فالحق لا ينبغي أن يحابى فإنه جد ، واني أرى أكثر الناس قد حادوا عن الشريعة ، وصار كلام المتزهدين كأنه شريعة لهم ، فيقال : قال أبو طالب المكي ، كان من السلف من يزن قوته بكربة فينقص كل يوم .

--> ( 1 ) في هذه الكتب أحاديث لم تصح وفيها شيء مما قال ، ولكن فيها خيرا كثيرا وفيها تهذيب للنفس ، وفيها دلالة على اللّه ، ولولا أن الاحياء لا نظير له ما عنى المؤلف نفسه وأتعبها باختصاره في كتابه « منهاج القاصدين » .