ابن الجوزي
388
صيد الخاطر
إلا لقلة الصبر عن المشتهى ، وربما كان فيهم من لا يؤمن بالبعث والعقاب . وليس العجب من ذاك انما العجب من مؤمن يوقن ، ولا ينفعه يقينه . ويعقل العواقب ، ولا ينفعه عقله . 351 - صاحب الهمة العالية في تعب دائم من رزق همة عالية يعذب بمقدار علوها كما قال الشاعر : وإذا كانت النفوس كبارا * تعبت في مرادها الأجسام وقال الآخر : ولكل جسم في النحول بلية * وبلاء جسمي من تفاوت همتي وبيان هذا أن من علت همته طلب العلوم كلها ولم يقتصر على بعضها وطلب من كل علم نهايته ، وهذا لا يحتمله البدن . ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد في قيام الليل وصيام النهار ، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب . ثم يرى ترك الدنيا ويحتاج إلى ما لا بد منه ، ويحب الايثار ولا يقدر على البخل ، ويتقاضاه الكرم البذل ، ويمنعه عز النفس عن الكسب ، فان هو جرى على طبعه من الكرم ، احتاج وافتقر وتأثر بدنه وعائلته ، وان أمسك فطبعه يأبى ذلك « 1 » . وفي الجملة يحتاج إلى معاناة وجمع أضداد ، فهو أبدا في نصب لا ينقضي ، وتعب لا يفرغ ، ثم إذا حقق الاخلاص في الاعمال زاد تعبه وقوي وصبه . فأين هو من دنت همته . ان كان فقيها فسئل عن حديث قال : ما أعرفه . وان كان محدّثا فسئل عن مسألة فقهية قال : ما أدري . ولا يبالي إن قيل عنه : مقصر . والعالي الهمة يرى التقصير في بعض العلوم فضيحة قد كشفت عيبه ، وقد رأت الناس عورته ، والقصير الهمة لا يبالي بمنن الناس ، ولا يستقبح سؤالهم ، ولا يأنف من رد ، والعالي الهمة لا يحمل ذلك ، ولكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى ، وراحة القصير الهمة تعب وشين ، ان كان ثمّ فهم . والدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي . فينبغي لذي الهمة أن لا يقصر في شوطه ، فان سبق فهو المقصود . وان كبا جواده مع اجتهاد لم يلم .
--> ( 1 ) أعاد هذه المعاني كلها مرارا .