ابن الجوزي

376

صيد الخاطر

الخشاب « 1 » وكانت أحمالا وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه . ولو قلت : اني طالعت عشرين ألف مجلد « 2 » كان أكثر وأنا بعد في الطلب . فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم ، وقدر هممهم ، وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ، ما لا يعرفه من لم يطالع فصرت أستزري ما الناس فيه ، وأحتقر همم الطلاب . وللّه الحمد . 338 - من العجب تعريض المرء نفسه للهلاك فيما لا يفيد ليس للآدمي أعز من نفسه ، وقد عجبت ممن يخاطر بها ويعرضها للهلاك . والسبب في ذلك قلة العقل ، وسوء النظر . فمنهم من يعرضها للتلف ليمدح بزعمه . مثل قوم يخرجون إلى قتل السبع . ومنهم من يصعد إلى إيوان كسرى ليقال : شاطر . وساع يمشي ثلاثين فرسخا . وهؤلاء إذا تلفوا حملوا إلى النار . فان هلك ذهبت النفس التي يراد المال لأجلها . وأعجب من الكل من يخاطر بنفسه في الهلاك ولا يدري ، مثل أن يغضب فيقتل المسلم فيشفي غيظه بالتعذيب في جهنم . وأظرف « 3 » من هذا اليهود والنصارى ، فان أحدهم يبلغ فيجب عليه أن ينظر في نبوة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم فإذا فرّط فمات فله الخلود في جهنم . ولقد قلت لبعضهم : ويحك تخاطر بنفسك في عذاب الأبد ، نحن نؤمن بنبيكم فنقول ، لو أن مسلما آمن بنبينا وكذب بنبيكم أو بالتوراة خلد في النار ، فما بيننا وبينكم خلاف ، إذ نحن مؤمنون بصدقه وكتابه ، فلو لقيناه لم نخجل ولو عاتبنا مثلا ، وقال : هل قمتم بسبب بالسبت ؟ والسبت من الفروع والفروع لا يعاقب عليها بالخلود . فقال لي رئيس القوم : ما نطلبكم بهذا لأن السبت إنما يلزم بني إسرائيل فقلت : فقد سلمنا باجماعكم وأنتم هالكون ، لأنكم تخاطرون بأرواحكم في العذاب الدائم .

--> ( 1 ) عبد اللّه بن أحمد من علماء العربية وقف مكتبته على طلبة العلم توفي في بغداد سنة 567 . ( 2 ) يقصد بالمجلد الكتاب . ( 3 ) أي أعجب وأغرب .