ابن الجوزي
338
صيد الخاطر
وأما أذاك للمرأة فلا وجه له لأنها مسلطة فليكن شغلك بغير هذا . وقد روي عن بعض السلف أن رجلا شتمه فوضع خده على الأرض وقال اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به علي « 1 » . قال الرجل : وهذه المرأة تحبني زائدا في الحد ، وتبالغ في خدمتي ، غير أن البغض لها مركوز في طبعي . قلت له : فعامل اللّه سبحانه بالصبر عليها فإنك تثاب . وقد قيل لأبي عثمان النيسابوري : ما أرجى عملك عندك ؟ قال : كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فآبى فجاءتني امرأة فقالت : يا أبا عثمان اني قد هويتك ، وأنا أسألك باللّه أن تتزوجني . فأحضرت أباها وكان فقيرا فزوجني وفرح بذلك . فلما دخلت اليّ رأيتها عوراء عرجاء مشوهة ، وكانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج فأقعد حفظا لقلبها ولا أظهر لها من البغض شيئا ، وكأني على جمر الغضا من بغضها . فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي قلبها . قلت له : فهذا عمل الرجال . وأي شيء ينفع ضجيج المبتلى بالتضجر باظهار البغض ؟ وإنما طريقه ما ذكرته لك من التوبة والصبر وسؤال الفرج . وتذكر ذنوبا كانت هذه عقوبتها فإن وقع فرج في الحساب ، وإلا فاستعمال الصبر على القضاء عبادة ، وتكلف اظهار المودة لها وان لم يكن في قلبك تثبت على هذا ، وليس للقيد ذنب فيلام ، انما ينبغي التشاغل مع من قيّده والسلام . 297 - على المؤمن أن يجمع همه ويعتزل الناس لا ريب أن القلب المؤمن بالإله سبحانه وبأوامره يحتاج إلى الانعكاف على ذكره وطاعته ، وامتثال أوامره ، وهذا يفتقر إلى جمع الهم ، وكفى بما وضع في الطبع من المنازعة إلى الشهوات مشتتا للهم المجتمع . فينبغي للانسان أن يجتهد في جمع همه لينفرد همه بذكر اللّه سبحانه وتعالى وأوامره والتهيؤ للقائه . وذلك إنما
--> ( 1 ) هذا من أدب النصرانية ، من ضربك على خدك . . . أما في الاسلام فاما أن ترد العدوان بمثله واما أن تعرض وتعفو ، أما هذا الفعل فما قرأنا مثله لأحد من الصدر الأول .