ابن الجوزي
336
صيد الخاطر
يأخذ من الظلمة خصوصا إن أخذ بحجة التنمّس والتزهد . ومن كان له منهم مال فليجتهد في تنميته وحفظه ، فما بقي من يؤثر ولا من يقرض . وقد صار الجمهور بل الكل « 1 » كأنهم يعبدون المال ، فمن حفظه حفظ دينه . ولا يلتفت إلى قول الجهلة الذين يأمرون باخراج المال ، فما هذا وقته . واعلم أنه إذا لم يجتمع الهم ، لم يحصل العلم ولا العمل ولا التشاغل بالفكر في عظمة اللّه وقد كان هم القدماء يجتمع بأشياء جمهورها « 2 » انه كان لهم من بيت المال نصيب في كل عام ، وكان يصلهم فيفضل عنهم ، وفيهم من كان له مال يتجر به كسعيد بن المسيب وسفيان وابن المبارك وكان همه مجتمعا ، فقال سفيان : لولاك لبهدلوني « 3 » وفقدت بضاعة لابن المبارك فبكى ، وقال : هو قوام ديني . وكان جماعة يسكنون إلى عطاء الاخوان الذين لا يمنّون . وكان ابن المبارك يبعث إلى الفضيل وغيره . وكان الليث بن سعد يتفقد الأكابر ، فبعث إلى مالك ألف دينار ، وإلى ابن لهيعة « 4 » ألف دينار ، وأعطى منصور بن عمار ألف دينار وجارية بثلاثمائة دينار . وما زال الزمان على هذا إلى أن آل الأمر على انمحاق ذلك ، فقلّت عطايا السلاطين ، وقل من يؤثر من الاخوان ، إلا أنه كان في ذلك التقليل ما يدفع الزمان . فأما زماننا هذا فقد انقبضت الأيدي كلها ، حتى قل من يخرج الزكاة الواجبة ، فكيف يجتمع همّ من يريد من العلماء والزهاد أن يعمل همه ليلا ونهارا في وجوه الكسب وليس من شأنه ولا يهتدي له . فقد رأينا الأمر أحوج إلى التعرض للسلاطين والترخص في أخذ ما لا يصلح ، وأخرج المتزهدين إلى التصنع لتحصيل الدنيا . فاللّه اللّه يا من يريد حفظ دينه ، قد كررت عليك الوصية بالتقليل جهدك ، وخفف العلائق مهما أمكنك ، واحتفظ بدرهم يكون معك فإنه دينك . وافهم
--> ( 1 ) تقدم أن « غير » لا يدخلها « ال » التعريف أبدا ، وان « كل » و « بعض » ملحقان بها في ذلك عند بعض أهل اللغة . ( 2 ) أي معظمها : معظم هذه الأشياء . ( 3 ) كذا وهو تحريف وصواب قوله « لتمندلوا بي » وقد تقدم شرحه . ( 4 ) كان الليث وابن لهيعة محدثي مصر وفقيهيها انظر الكلام عن الليث في كتابي « رجال من التاريخ » .