ابن الجوزي
334
صيد الخاطر
وأول ما يجري على ذاك العالم أنه قد حرم النفع بعلمه . وقد رأى بعض الصالحين رجلا عالما يخرج من دار يحيى بن خالد البرمكي فقال : أعوذ باللّه من علم لا ينفع ، ألم ير المنكرات ولا ينكر ؟ ويتناول من طعامهم الذي لا يكاد يحصل الا بظلم فينطمس قلبه ، ويحرم لذة المعاملة للحق سبحانه ، ولا يقدر أن يهتدي به أحد ؟ بل ربما كان فعله هذا سببا لإضلال الناس في الاقتداء به ، فهو يؤذي نفسه ويؤذي أميره ، لأنه يقول لولا انني على صواب ما صحبني هذا وما أنكر علي . ويؤذي العوام تارة بأن يروا أن ما في الأمير صواب وأن الدخول والسكوت عن الانكار جائز . ويحبب إليهم الدنيا . ولا خير واللّه في سعة من الدنيا ضيقت طريق الآخرة . وأنا أفدي أقواما صابروا عطش الدنيا في هجير الشهوات زمان العمر حتى رووا يوم الموت من شراب الرضى ، وبقيت أذكارهم تروى فتروي صدأ القلوب وتجلو صداها . هذا الإمام أحمد يحتاج فيخرج إلى اللقاط « 1 » ولا يقبل مال سلطان ، وهذا إبراهيم الحربي « 2 » يتغذى بالبقل ويرد على المعتصم « 3 » ألف دينار . هذا بشر الحافي يشكو الجوع فيقال له : يصنع لك حساء من دقيق فيقول : أخاف أن يقول لي هذا الدقيق من أين لك « 4 » ؟ بقيت واللّه أذكار القوم ، وما كان الصبر الا غفوة نوم ، ومضت لذات المرخصين وبليت الأبدان ، ووهن الدين فالصبر الصبر يا من وفق . ولا تغبطن من اتسع له أمر الدنيا ، فإنك إذا تأملت تلك السعة رأيتها ضيقا في باب الدين . ولا ترخص لنفسك في تأويل ، فعمرك في الدنيا قليل : وسواء إذا انقضى يوم كسرى * في سرور ويوم صابر كسرة ومتى ضجت النفس لقلة الصبر فاتل عليها أخبار الزهاد ، فإنها ترعوي وتستحي وتنكسر ان كانت لها همة أو فيها يقظة ومثل لها بين ترخص علي بن المديني وقبوله
--> ( 1 ) أي للعمل في الحقول يوم الحصاد . ( 2 ) المحدث الزاهد الفقيه العلم كان من أصحاب أحمد توفي سنة 285 . ( 3 ) الصحيح أنه ردها على المعتضد . وأين المعتضد من المعتصم ؟ ( 4 ) مر من كلام المؤلف ما ينكر فيه على من يصنع مثل هذا .