ابن الجوزي
332
صيد الخاطر
إبراهيم بن أدهم إذا مرض يترك عنده من الطعام ما يأكله الأصحاء . ورأيت في زهادنا من يصلي الفجر يوم الجمعة بالناس ويقرأ المعوذتين والمعنى قد ختمت ، فان هذه الاعمال هي صريحة في النفاق والرياء . وفيهم من يأخذ الصدقات وهو غني ، ولا يبالي أخذ من الظلمة أو من أهل الخير ، ويمشي إلى الامراء يسألهم ، وهو يدري من أين حصلت أموالهم « 1 » . فاللّه اللّه في اصلاح النيات فان جمهور هذه الاعمال مردودة . قال مالك بن دينار : وقولوا لمن لم يكن صادقا لا يتعنى . وليعلم المرائي ان الذي يقصده يفوته ، وهو التفات القلوب اليه ، فإنه متى لم يخلص حرم محبته في القلوب ، ولم يلتفت اليه . والمخلص محبوب . فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه لما فعل . وكم قد رأينا من يلبس الصوف ، ويظهر النسك ، لا يلتفت اليه . وآخر يلبس جيد الثياب ويبتسم والقلوب تحبه . نسأل اللّه عز وجل اخلاصا يخلصنا ، ونستعيذ به من رياء يبطل أعمالنا انه قادر . 292 - الحكمة في عدم إجابة الدعاء من الجهل أن يخفى على الانسان مراد التكليف فإنه موضوع على عكس الاغراض ، فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس الاغراض ، فان دعا وسأل بلوغ غرض تعبد بالدعاء ، فان أعطي مراده شكر ، وان لم ينل مراده فلا ينبغي أن يلح في الطلب ، لأن الدنيا ليست لبلوغ الاغراض ، وليقل لنفسه « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » ومن أعظم الجهل أن يتمغص في باطنه لانعكاس أغراضه ، وربما اعترض في الباطن ، وربما قال : حصول غرضي لا يضر ، ودعائي لم يستجب . وهذا كله دليل على جهله ، وقلة ايمانه ، وعدم تسليمه للحكمة . ومن الذي حصل له غرض ثم لم يكدر ؟ هذا آدم طاب عيشه في الجنة وأخرج منها ، ونوح سأل في ابنه فلم يعط مراده ، والخليل ابتلي بالنار ، وإسحاق بالذبح « 2 » ، ويعقوب
--> ( 1 ) أي يدري بكونها حصلت من حرام . ( 2 ) الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق .