ابن الجوزي
329
صيد الخاطر
وهذا شأن جميع العقلاء فرضي اللّه عن الجميع . وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الافهام لما شرحته لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بها . فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة وأخرج له كل ليلة رمانة ، وسأل اللّه أن يميته في سجوده . فإذا حشر قيل له ادخل الجنة برحمتي قال : بل بعملي . فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي فيقول : يا رب برحمتك . وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة فان أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحي من ذكره ، وهو أنه عزم على الزنا ثم خاف العقوبة فتركه . فليت شعري بما ذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء فتركه لخوف العقوبة ، انما لو كان مباحا فتركه كان فيه ما فيه ، ولو فهم لشغله خجل الهمّة عن الادلال ، كما قال يوسف عليه السلام : وما أبرئ نفسي . والآخر ترك صبيانه يتضاغون إلى الفجر ليسقي أبويه اللبن ، وفي هذا البر أذى للأطفال « 1 » ، ولكن الفهم عزيز . وكأنهم لما أحسنوا قال لسان الحال : أعطوهم ما طلبوا ، فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا . ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه ولكان كل كامل خائفا محتقرا لعمله حذرا من التقصير في شكر ما أنعم عليه . وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر ، ويوجب مساكنة الذل . فتأمله فإنه أصل عظيم . 289 - لا تسكن إلى توبتك ولو قبلت ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وان تاب منها وبكى عليها . واني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة ، وكأنهم قد قطعوا على ذلك ، وهذا أمر غائب . ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها . ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح : أن الناس يأتون إلى آدم عليه السلام فيقولون : اشفع لنا فيقول : ذنبي . وإلى نوح عليه السلام فيقول : ذنبي . وإلى إبراهيم . وإلى موسى . وإلى عيسى صلوات اللّه وسلامه عليهم فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم تكن أكثرها ذنوبا
--> ( 1 ) مقتضى الحديث فيه مدح لهم على ما فعلوا - وفيه جواز توسل المرء بعمله الصالح ، ومن جاء الحديث بمدحه ليس لنا أن نذمه بآرائنا ، وكيف يقبل ما يقول المؤلف ، وحديث السبعة الذين يظلهم اللّه بظل العرش معروف : ومن هؤلاء السبعة ذاك الذي دعته امرأة حتى قعد منها . . ثم ذكر العقوبة فقام عنها !