ابن الجوزي
320
صيد الخاطر
واتفق أن صرف بوابه فنمّ عليه ونقضت داره . فهذه المذكورات أمثلة تنبه على ما لم يذكر . وأهم الكل أن يحترز بأخذ العدة ، وتحقيق التوبة ، قبل أن يهجم عليه ما لا يؤمن هجومه « 1 » وليحذر من لص الكسل ، فإنه محتال على سرقة الزمان . 280 - الاكتفاء باليسير من أمور الدنيا تأملت خصومات الملوك وحرص التجار ، ونفاق المتزهدين فوجدت جمهور ذلك على لذات الحس . وإذا تفكر العاقل في ذلك علم أن أمر الحسيات قريب يندفع بأقل شيء ، وأن الغاية لا يمكن نيلها ، وان بالغ عاد بالأذى على نفسه أضعاف ما ناله من اللذة ، كمن يأكل كثيرا أو ينكح كثيرا . فالسعيد من اهتم لحفظ دينه ، وأخذ من ذلك بمقدار الحاجة . واعجبا ، هذا الملبوس إذا كان وسطا خدم ، وإذا كان مرتفعا خدم ، فان نظر اللابس اليه معجبا به فان اللّه لا ينظر اليه حينئذ . وفي الصحيح : بينا رجل يتبختر في بردته خسف به . والمشروب ان كان حراما فعقابه أضعاف لذته . وهتكه العرض بين الناس عقاب آخر ، وإن كان مباحا فالشره فيه يؤذي البدن . وأما المنكوح فمداراة المستحسن يؤذي فوق كل أذى ، ومقاساة المستقبح أشد أذى . فعليك بالتوسط ، وتفكر في أحوال السلاطين ، كم قتلوا ظلما ، وكم ارتكبوا حراما ، وما نالوا إلا يسيرا من لذات الحس ، فانقشع غيم العمر عن حسرات الفضائل ، وحصول العقاب ، فليس في الدنيا أطيب عيشا من منفرد عن العالم بالعلم ، فهو أنيسه وجليسه ، قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة ، لا عن تكلف ولا تضييع دين ، وارتدى بالعز عن الذل للدنيا وأهلها ، والتحف بالقناعة باليسير ، إذا لم يقدر على الكثير فوجدته يسلم دينه ودنياه . واشتغاله بالعلم يدله على الفضائل ، ويفرجه في البساتين . فهو يسلم من الشيطان والسلطان والعوام بالعزلة . ولكن لا يصلح هذا إلا للعالم ، فإنه إذا اعتزل الجاهل فاته العلم فتخبط .
--> ( 1 ) يريد الموت ، الذي لا بد منه ، ولا يعرف موعده .