ابن الجوزي
318
صيد الخاطر
276 - ذخائر البدن والنفس للنفس ذخائر في البدن منها الدم والمنيّ « 1 » وأشياء تتقوى بها ، فإذا فقدت الذخائر ولم يبق منها شيء ذهبت . ومن ذخائرها التقوّي بالمال والجاه ، وما يوجب الفرح ، فإذا فقدت ذلك وكانت عزيزة ذات أنفة جرحت ، وقد يهجم عليها الخوف فلا تجد ذخيرة من الرجاء يقاومه فتذهب ، ويغلب عليها الفرح فلا تجد من الحزن ما يقاومه فتذهب . فاجتهد في حفظ ذخائرها وخصوصا الشيخ ، فإنه ينبغي له ألّا يفرط باخراج الدم ، ولا اخراج المني وان وجد شبقا ، الا أن يكون الشبق زائدا في الحد فيخرج المؤذي في كل حين . وعلامة أن يكون مؤذيا وجود الراحة عند خروجه . فمتى وجد ضعفا فقد آذى خروجه . وليحفظ ذو الأنفة على نفسه حشمته ، بأن لا يقف في موقف يعاب به ، فإنه يتمتع بذخيرة العز والانفة ويضاد النفس وجود ضد ذلك . وكذلك ينبغي أن يستعد لآخر عمره بالمال مخافة أن يحتاج فيذل ، أو يسعى وقد كلّت الآلة ولأن يخلّف لعدوه أولى من أن يحتاج إلى صديقه . ولا يلتفت إلى من يذم المال ، فإنهم الحمقى الجهال الذين اتكلوا على خبز الراحة ، فاستطابوا الكسل والدعة ، ولم يأنفوا من تناول الصدقة ، ولا من التعرض للسؤال . وقد كان لكل نبي معاش ولجميع الصحابة ، وخلفوا أموالا كثيرة . فافهم هذا الأصل ، ولا تلتفت إلى كلام الجهال . 277 - زهاد زماننا رأيت في زهاد زماننا من الكبر وحفظ الناموس « 2 » ورتبة الجاه في قلوب العامة ما كدت أقطع به على أنهم أهل رياء ونفاق . فترى أحدهم يلبس الثوب الذي يرى بعين الزهد ، ويأكل أطائب الطعام ، ويتكبر على أبناء الجنس ، ويصادق الأغنياء ، ويباعد الفقراء ، ويحب الخطاب ب ( مولانا ) والمشي بجانبه ، ويضيع الزمان في الهذيان ، ويتقوت بخدمة الناس له والتسليم عليه . ولو أنه لبس ثوبا يخلطه بالفقهاء لذهب الجاه ، ولم يبق له متعلق . ولو أن
--> ( 1 ) فعيل بمعنى فاعل ، من « منى » وأصل معناها سال . ( 2 ) أي المظاهر .