ابن الجوزي
314
صيد الخاطر
قريب » فلا تفعل ، فإنه يدعو إلى غيره ويصعب التلافي . فالصبر الصبر على شظف العيش . والبعد عن أرباب الهوى ، فما يتم دين الا بذلك . ومتى وقع الترخص حمل إلى غيره ، كالشاطئ إلى اللجة ، وانما هو طعام دون طعام ، ولباس دون لباس ، ووجه أصبح من وجه ، وانما هي أيام يسيرة . 270 - عجز العقل عن ادراك حكمة الخالق ووجوب التسليم من تفكر في عظمة اللّه عز وجل طاش عقله لأنه يحتاج أن يثبت موجودا لا أول لوجوده ، وهذا شيء لا يعرفه الحس ، وانما يقرّ به العقل ضرورة ، وهو متحير بعد الاقرار . ثم يرى من أفعاله ما يدل على وجوده فلا يخفى وجوده ، ثم يجري في أقداره أمور لولا ثبوت الدليل على وجوده لأوجبت الجحد ، فإنه يفرق البحر لبني إسرائيل ، وذلك شيء لا يقدر عليه الا الخالق . ويصيّر العصا حية ثم يعيدها عصا ، وتتلقف ما صنعوا ولا يزيد فيها شيء . فهل بعد هذا بيان ؟ فإذا آمنت السحرة تركهم مع فرعون يصلبهم ولا يمنع . والأنبياء يبتلون بالجوع والقتل ، وزكريا ينشر ، ويحيى تقتله زانية . ونبينا صلّى اللّه عليه وسلم يقول كل عام : « من يؤويني من ينصرني ؟ » فيكاد الجاهل بوجود الخالق يقول : « لو كان موجودا لنصر أولياءه » فينبغي للعاقل الذي قد ثبت عنده وجوده بالأدلة الظاهرة الجلية ألّا يمكن عقله من الاعتراض عليه في أفعاله ، ولا يطلب بها علة ، إذ قد ثبت أنه مالك حكيم . فإذا خفي عليه وجه الحكمة في فعله نسبنا العجز إلى فهو منا . وكيف لا وقد عجز موسى عليه السلام أن يعرف حكمة خرق السفينة وقتل الغلام ، فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهر أقرّ . فلو قد بانت الحكمة في أفعال الخالق جحد العقل جحد موسى يوم الخضر . فمتى رأيت العقل يقول : لم ؟ فأخرسه بأن تقول له : يا عاجز أنت لا تعرف حقيقة نفسك . فما لك والاعتراض على المالك . وربما قال العقل : أي فائدة في الابتلاء وهو قادر أن يثيب ولا بلاء ؟ وأي غرض في تعذيب أهل النار وليس ثمّ تشفّ ؟