ابن الجوزي

305

صيد الخاطر

أو لعلمه انها تنبئ عنه بالتصوف والزهد . وكذلك الخاتم في اليد ، وطول الاكمام ، والنعال الصرارة « 1 » ، ولا أقول : ان هذه الأشياء تحرم ، بل ربما جلبت ما يحرم من الزهو ، فينبغي للعاقل أن يتنبه بما قلت في دفع كل ما يحذر من شره . وقد ركب ابن عمر نجيبا فأعجبه مشيه فنزل ، وقال : يا نافع أدخله في البدن « 2 » . 260 - النهي عن مخالطة الناس من أراد اجتماع همه واصلاح قلبه ، فليحذر من مخالطة الناس في هذا الزمان ، فإنه قد كان يقع الاجتماع على ما ينفع ذكره ، فصار الاجتماع على ما يضر . وقد جربت نفسي مرارا أن أحصرها في بيت العزلة ، فتجتمع هي ويضاف إلى ذلك النظر في سير السلف فأرى العزلة حمية ، والنظر في سير القوم دواء ، واستعمال الدواء مع الحمية عن التخليط نافع . فإذا فسحت لنفسي في مجالسة الناس ولقائهم تشتت القلب المجتمع ، ووقع الذهول عما كنت أراعيه ، وانتقش في القلب ما قد رأته العين ، وفي الضمير ما تسمعه الأذن ، وفي النفس ما تطمع في تحصيله من الدنيا . وإذا جمهور المخالطين أرباب غفلة ، والطبع بمجالستهم يسرق من طباعهم . فإذا عدت أطلب القلب لم أجد ، وأروم ذاك الحضور « 3 » فأفقده ، فيبقى في غمار ذلك اللقاء للناس أياما حتى ما يسلو الهوى . وما فائدة تعريض البناء للنقض ، فان دوام العزلة كالبناء ، والنظر في سير السلف يرفعه ، فإذا وقعت المخالطة انتقض ما بني في مدة في لحظة ، وصعب التلاقي وضعف القلب . ومن له فهم يعرف أمراض القلب ، وإعراضه عن صاحبه ، وخروج طائره من قفصه ، ولا يؤمن على هذا المريض أن يكون مرضه هذا سبب التلف ، ولا على هذا الطائر المحصور أن لا يقع في الشبكة . وسبب مرض القلب انه كان محميا عن التخليط مغذيا بالعلم ، وسير السلف ، فخلط فلم يحتمل مزاجه فوقع المرض .

--> ( 1 ) التي تحدث صوتا ، أي يكون لها صرير عند المشي - وكانت أمارات الشطار . ( 2 ) أي في الهدي . ( 3 ) أي حضور القلب مع اللّه .