ابن الجوزي
301
صيد الخاطر
وتبقى المنن والخجل ورؤية النفس بعين الاحتقار ، إذ صارت سائلة ، ورؤية المعطي بعين التعظيم أبدا . ثم يوجب ذلك السكوت عن معايب المعطى والبدار إلى قضاء حقوقه وخدمته فيما بقي . وأعجب من هذا من يقدر أن يستعبد الأحرار بقليل العطاء الفاني ولا يفعل ، فان الحر لا يشترى إلا بالاحسان . قال الشاعر : تفضل على من شئت واعن بأمره * فأنت ولو كان الأمير أميره وكن ذا غنى عمن تشاء من الورى * ولو كان سلطانا فأنت نظيره ومن كنت محتاجا اليه وواقفا * على طمع منه فأنت أسيره « 1 » 255 - نصائح للشباب وعلاقتهم بالنساء ينبغي للصبي إذا بلغ أن يحذر كثرة الجماع ليبقى جوهره فيفيده ذلك في الكبر ، لأنه من الجائز كبره والاستعداد للجائز حزم ، فكيف للغالب ؟ كما ينبغي أن يستعد للشتاء قبل هجومه ، ومتى أنفق الحاصل وقت القدرة تأذى بالفقر اليه وقت الفاقة . وليعلم ذو الدين والفهم أن المتعة إنما تكون بالقرب من الحبيب ، والقرب يحصل بالتقبيل والضم ، وذلك يقوي المحبة ، والمحبة يلذ وجودها والوطء ينقص المحبة ويعدم تلك اللذة . وقد كان العرب يعشقون ولا يرون وطء المعشوق . وقال قائلهم : ان نكح الحب فسد . فأما الالتذاذ بنفس الوطء فشأن البهائم « 2 » . ولقد تأملت المراد من الوطء فوجدت فيه معنى عجيبا يخفى على كثير من الناس ، وهو أن النفس إذا عشقت شخصا أحبت القرب منه ، فهي تؤثر الضم والمعانقة لأنها غاية في القرب ، ثم تريد قربا يزيد على هذا فيقبل الخد . ثم تطلب القرب من الروح فيقبل الفم ، لأنه منفذ إلى الروح « 3 » ثم تطلب الزيادة فيمص
--> ( 1 ) وأصله : أحسن إلى من شئت تكن أميره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره . ( 2 ) والناس في هذا كالبهائم . هذه طبيعتهم التي طبعهم اللّه عليها ، لا يد لهم فيها . ( 3 ) بل هو منفذ إلى المعدة والأمعاء وما فيها . ولكن الشهوة تعمي العين وتعطل الفكر .