ابن الجوزي
299
صيد الخاطر
بمقتضى الحال الحاضرة ، وهي تحكم بكمال الحب ، ثم إن ذلك لا يثبت إليك فتقع وتبقى مقهورا ويصعب عليك الخلاص . وربما تمكنت بمعرفة سرك أو بأخذ كثير من مالك . ومن أحسن ما بلغني في هذا أن جارية لبعض الخلفاء كانت تحبه حبا شديدا ولا تظهر له ذلك ، فسئلت عن هذا فقالت : لو أظهرت ما عندي فجفاني هلكت . قال الشاعر : لا تظهرنّ مودة لحبيب * فترى بعينك منه كل عجيب أظهرت يوما للحبيب مودتي * فأخذت من هجرانه بنصيب وكذا ينبغي أن تكتم حبك لولدك ، لأنه يتسلط عليك ، ويضيع مالك ، ويبالغ في الادلال ، ويمتنع عن التعلم والتأدب . وكذلك إذا اصطفيت صديقا وخبرته فلا تخبره بكل ما عندك ، بل تعاهده بالاحسان كما تتعاهد الشجرة ، فإنها إذا كانت جيدة الأصل حسنت ثمرتها بالتعاهد . ثم كن منه على حذر فقد تتغير الأحوال وقد قيل : احذر عدوك مرة * واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصدي * ق فكان أدرى بالمضرة وأما إذا أبغضت شخصا فلا تظهرن ذلك ، فإنك تنبهه على أخذ الحذر منك ، وتدعوه إلى المبارزة ، فيبالغ في حربك والاحتيال عليك ، بل ينبغي أن تظهر له الجميل إن قدرت ، وتبره ما استطعت ، فانكسرت معاداته جبلة بالحياء من بغضك ، فإن لم تطق فهجر جميل ، لا تبين فيه ما يؤذي . ومتى سمعت عنه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة ، فهي أقوى في كف لسانه ، وكذلك جميع ما يخاف اظهاره ، فلا تتكلمن به ، فربما وقعت كلمة أسقطت بها عز السلطان فنقلت اليه فكانت سبب هلاكك ، أو عن صديق فكانت سبب عداوته ، أو صرت رهينا لمن سمعها خائفا أن يظهرها . فالحزم في كتمان الحب والبغض . وكذا ينبغي أن تكتم سنك فان كنت كبيرا استهرموك وإن كنت صغيرا استحقروك . وكذلك مقدار مالك ، فإنه ان كان كثيرا نسبوك في نفقتك إلى البخل ، وان كان قليلا طلبوا الراحة منك .