ابن الجوزي

297

صيد الخاطر

وان الانسان ليمشي في السوق ساعة فينسى بما يرى ما يعلم ، فكيف إذا انضم إلى ذلك التردد إلى الأغنياء والطمع في أموالهم ، فأما الوحدة فإنها سبب رجوع القلب وجمع الهم والنظر في العواقب والتهيؤ للرحيل وتحصيل الزاد . فإذا انضمت إليها القناعة جلبت المستحسنة . ولا تحسن اليوم المجالسة الا لكتاب يحدثك عن أسرار السلف . فأما مجالسة العلماء فمخاطرة ، إذ لا يجتمعون على ذكر الآخرة في الأغلب . ومجالسة العوام فتنة للدين ، الا أن يحترز مجالسهم ويمنعهم من القول فيقول هو ويكلفهم السماع . ثم يستوفز للبعد عنهم ولا يمكن الانقطاع الكلي الا بقطع الطمع . ولا ينقطع الطمع الا بالقناعة باليسير أو يتجر بتجارة ، أو أن يكون له عقار يستغلّه ، فإنه متى احتاج تشتت الهم ، ومتى انقطع العالم عن الخلق وقطع طمعه فيهم وتوفر على ذكر الآخرة فذاك الذي ينفع وينتفع به . واللّه الموفق . 251 - الاستعداد للجنة والرد على المتصوفة من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة في صفاء بلا كدر ، ولذات بلا انقطاع ، وبلوغ كل مطلوب للنفس ، والزيادة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، من غير تغير ولا زوال . ولا يقال ألف ألف سنة ولا مائة ألف ألف . ولو أن الانسان عد الألوف ألوف السنين لانقضى عدده وكان له نهاية ، وبقاء الآخرة لا نفاد له ، إلا أنه لا يحصل ذلك الا بنقد هذا العمر . وما مقدار عمر غايته مائة سنة منها خمس عشر صبوة وجهل ، وثلاثون بعد السبعين ان حصلت ضعف وعجز . والتوسط نصفه نوم ، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب ، والمتنخل منه للعبادات يسير . أفلا يشترى ذلك الدائم بهذا القليل ؟ ان الاعراض عن الشروع في هذا البيع والشراء لغبن فاحش في العقل ، وخلل داخل في الايمان بالوعد . فان من يدري كيف يعقد البيع بالعلم ، هو الذي يدل على الطريق ويعرّف ما يصلح لها ويحذر من قطّاعها . ولقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات أعظمها انه صرفهم عن العلم . فكأنه شرع في اطفاء المصباح ليسرق في الظلمة ، حتى أنه أخذ قوما من