ابن الجوزي
253
صيد الخاطر
السلطان فارتفع عدوه فانتقم منه . وقد يعادي بعض الأصدقاء ولا يبالي به لأنه دونه في الحالة الحاضرة ، فربما صعدت مرتبة ذلك فاستوفى ما أسلفه اليه من القبيح وزاد . فالعاقل من نظر فيما يجوز وقوعه ولم يعاد أحدا ، فإن كان بينهما ما يوجب المعاداة كتم ذلك ، فان صح له أن يثب على عدوه فينتقم منه انتقاما يبيحه الشرع جاز ، على أن العفو أصلح في باب العيش . ولهذا ينبغي أن يخدم البطال « 1 » ، فإنه ربما عمل « 2 » فعرف ذلك لمن خدم . وقس على أنموذج ما ذكرته من جميع الأحوال . 206 - النهي عن مخالطة السلاطين بقدر صعود الانسان في الدنيا تنزل مرتبته في الآخرة « 3 » . وقد صرح بهذا ابن عمر رضي اللّه عنهما فقال : واللّه لا ينال أحد من الدنيا شيئا الا نقص من درجاته عند اللّه ، وان كان عنده كريما . فالسعيد من اقتنع بالبلغة ، فان الزمان أشرف من أن يضيع في طلب الدنيا . اللهم إلا أن يكون متورعا في كسبه معينا لنفسه عن الطمع قاصدا إعانة أهل الخير والصدقة والمحتاجين ، فكسب هذا أصلح من بطالته . فأما الصعود الذي سببه مخالطة السلاطين فبعيد أن يسلم معه الدين ، فان وقعت سلامته ظاهرا فالعاقبة خطرة . قال أبو محمد التميمي . ما غبطت أحدا إلا الشريف أبا جعفر يوم مات القائم بأمر اللّه فإنه غسله وخرج ينفض أكمامه فقعد في مسجده لا يبالي بأحد ونحن مزعجون لا ندري ما يجري علينا . وذلك أن التميمي كان متعلقا على السلطان يمضي له في الرسائل فخاف مغبة القرب . وقد رأينا جماعة من العلماء خالطوا السلطان فكانت مغبتهم سيئة . ولعمري انهم طلبوا الراحة فأخطئوا طريقها ، لأن غموم القلب لا يوازيها لذة مال ، ولا لذة مطعم ، هذا في الدنيا قبل الآخرة .
--> ( 1 ) أي العاطل من المنصب . ( 2 ) أي ولي ولاية : صار عاملا . ( 3 ) أحيانا لا دائما . فقد أوتي سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وكان الخلفاء الأربعة ملوك الدنيا ، والغني الشاكر كالفقير الصابر ، وقد ذهب أهل الدثور بالأجور .