ابن الجوزي
251
صيد الخاطر
وهو من حال غيره على شك . فالذي يحذر منه الاعجاب بالنفس ، ورؤية التقدم في أحوال الآخرة . والمؤمن لا يزال يحتقر نفسه . وقد قيل لعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : ان مت ندفنك في حجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : لأن ألقى اللّه بكل ذنب غير الشرك أحب اليّ من أن أرى نفسي أهلا لذلك . وقد روينا : أن رجلا من الرهبان رأى في المنام قائلا يقول له : فلان الإسكافي خير منك ، فنزل من صومعته فجاء اليه فسأله عن عمله فلم يذكر كبير عمل . فقيل في المنام : عد اليه وقل له : ممّ صفرة وجهك ؟ فعاد فسأله فقال : ما رأيت مسلما إلا وظننته خيرا مني فقيل له : فبذاك ارتفع . 203 - اصبر على غضب زوجتك وولدك وصديقك متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح ، فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصرا « 1 » ولا أن تؤاخذه به ، فإن حاله حال السكران ، لا يدري ما يجري ، بل اصبر لفورته ، ولا تعول عليها ، فان الشيطان قد غلبه ، والطبع قد هاج ، والعقل قد استتر ، ومتى أخذت في نفسك عليه ، أو أجبته بمقتضى فعله كنت كعاقل واجه مجنونا ، أو كمفيق عاتب مغمى عليه ، فالذنب لك . بل انظر اليه بعين الرحمة ، وتلمح تصريف القدر له ، وتفرج في لعب الطبع به . واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى ، وعرف لك فضل الصبر . وأقل الاقسام أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به . وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب الوالد ، والزوجة عند غضب الزوج ، فتتركه يشتفي بما يقول ، ولا تعول على ذلك ، فسيعود نادما معتذرا ، ومتى قوبل على حالته ومقالته صارت العداوة متمكنة ، وجازى في الإفاقة على ما فعل في حقه وقت السكر . وأكثر الناس على غير هذا الطريق ، متى رأوا غضبان قابلوه بما يقول . ويعمل على مقتضى الحكمة ، هذا « 2 » . بل الحكمة ما ذكرته . وما يعقلها الا العالمون .
--> ( 1 ) أي لا تعده ولا تلتفت اليه . ( 2 ) في الجملة شيء لعله من تحريف النساخ .