ابن الجوزي

235

صيد الخاطر

فان لها لذة في اعادته وان كان يصعب ، لأنها تلتذ به مرة ومرتين ، فإذا زاد التكرار صعب عليها ، ولكن دون صعوبة الفقه وغيره من المستحسنات عند الطبع فتراها تخلد إلى الحديث والشعر والتصانيف والنسخ لأنه يمر بها كل لحظة ما لم تره ، فهو في المعنى كالماء الجاري ، لأنه جزء بعد جزء ، وكذا من ينسخ ما يحب أن يسمعه أو يصنف ، فإنه يلتذ بالجدة ويستريح من تعب الإعادة ، إلا أنه ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة ، خصوصا الصبي والشاب ، فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرارا لا يزول ، ويجعل أوقات التعب من الإعادة للنسخ ، ويحذر من تفلتها إلى النسخ عن الإعادة فيقهرها ، فإنه يحمد ذلك حمد السرى وقت الصباح ، وسيندم من لم يحفظ ندم الكسعي « 1 » وقت الحاجة إلى النظر والفتوى ، وفي الحفظ نكتة ينبغي أن تلحظ ، وهو أن الفقيه يحفظ الدرس ويعيده ، ثم يتركه فينساه فيحتاج إلى زمان آخر لحفظه ، فينبغي أن يحكم الحفظ ويكثر التكرار ليثبت قاعدة الحفظ . 187 - العزلة للعالم والعابد ما أعرف نفعا كالعزلة عن الخلق خصوصا للعالم والزاهد فإنك لا تكاد ترى إلا شامتا بنكبة أو حسودا على نعمة ، ومن يأخذ عليك غلطاتك . فيا للعزلة ما ألذّها . سلمت من كدر غيبة ، وآفات تصنّع ، وأحوال المداجاة ، وتضييع الوقت « 2 » . ثم خلا فيها القلب بالفكر ، لأنه مستلذ عنه بالمخالطة فدبر أمر دنياه وآخرته . فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعى بالاخلاط فيذيبها . وما رأيت مثل ما يصنع المخالط ، لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس وكلامهم ، فيشتغل بها عما بين يديه . فمثله كمثل رجل يريد سفرا قد أزف ، فجالس أقواما فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق « 3 » ، وما تزوّد ، فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل والسلامة من شر المخالطة كفى . ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم والزاهد ، فإنهما يعلمان مقصود العزلة ،

--> ( 1 ) رجل من العرب يضرب به المثل في الندم ، وخبره مع قوسه في « مجمع الأمثال » للميداني . وهو أجمع كتاب لأمثال العرب ، وان كانت أكثر قصصه موضوعة لا أصل لها . ( 2 ) قد أكثر المؤلف الكلام في العزلة ، والحق فيها ما قاله هو في كتابه « منهاج القاصدين » الذي اختصر فيه « الاحياء للغزالي » . ( 3 ) أي للرحيل .